معايير التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي | في فقه القانون الإداري

الصورة بواسطة Andrea Piacquadio من Pexels

يقصد بالخطأ الشخصي، في نطاق المسؤولية الإدارية، ذلك الخطأ الذي يرتكبه الموظف العام، في معرض تأديته لواجبه الوظيفي، ويكون ناشئاً عن سوء تنفيذه لأنظمة الدولة، ويؤدي  إلى إلحاق الضرر بالأفراد .

أما الخطأ المرفقي فهو ذلك الخطأ الذي ترتكبه الدولة نفسها، في معرض تسييرها للمرفق العام، بحيث تصحّ نسبته إليها، ويؤدي إلى إلحاق الضرر بالأفراد .

والأصل، أن الدولة لا تكون مسؤولة إلا عن الأخطاء المرفقية وحدها، وأنها لا تسأل عن الأخطاء الشخصية التي يرتكبها موظفوها، حيث يتحمل هؤلاء بأنفسهم تبعات أخطائهم .

وبتعبير آخر متى أمكن نسبة الخطأ إلى غير الدولة، وأمكن مطالبة غيرها بالتعويض، فلا يجوز إقحامها، أو محاولة إقحامها، في هذا الخطأ ؛ أو في التعويض عن الضرر الناتج عنه.

ولكن متى يعدّ الخطأ شخصياً فيسأل عنه الموظف بصفته الشخصية ؟ ومتى يعدّ مرفقياً فتسأل عنه الدولة ؟

إن التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي ليس بالأمر السهل، لأن الدولة ليست شيئاً مادياً، عاقلاً أو غير عاقل، بحيث يراها أحدنا تتحرك، وتمارس نشاطها، وتقوم بتسيير مرافقها العامة، بنفسها هكذا .. وإنما هي شيء معنوي، لا يتلمس أحدنا وجوده إلا من  خلال أشخاصٍ، هم الذين يتحركون ويسيّرون المرافق العامة بأنفسهم، وهؤلاء هم الموظفون العامون ؛ فإذا حدث ضرر ما لشخص ما، في معرض تسيير أحد المرافق العامة، فما هو المعيار الذي يمكن من خلاله أن نميّز بين خطأ الموظفين الشخصي، الذي تقع تبعاته عليهم، ولا تتحمله الدولة،  وبين الخطأ المرفقي الذي تتحمله الدولة ؟

اختلف الباحثون المعاصرون كثيراً في هذا الأمر . وفيما يلي عرض موجز لأهم الآراء التي حاولت وضع معيار للتمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي ([1])  .

ذهب فريق من الباحثين إلى القول : إن الخطأ يكون شخصياً إذا ظهرت فيه شخصية الموظف بضعفها ونزواتها ؛ كأن يقوم الموظف بالاعتداء المادي على الأشخاص، أو يمارس عليهم ضروب الغش والتدليس ؛ فما كان كذلك عُدَّ خطأً شخصياً، ويُعَدَّ كل ما سواه، مما يصدر  عن الموظفين من أخطاء، خطأً مرفقياً .

والواقع أن هذا المعيار غير واضح وغير منضبط ؛ لأنه يتعلق بالنوايا وخبايا النفس البشرية، التي يصعب، بل يكاد يستحيل الوقوف عليها، أو الوصول إليها بدقة .

وهو منتقد أيضاً من جهة أن الموظف الذي يرتكب الخطأ ويلحق الأضرار بالآخرين، سيكون في منأى عن المسؤولية إذا تذرع بأنه قام بما قام به بحسن نية، ورغبة في تحقيق  المصلحة العامة، أو تسيير المرفق العام .

وهذا ما يمكن أن يؤدي إلى استبداد الموظفين العامين، أو عدم اكتراثهم بنتائج تصرفاتهم على أقل تقدير .

وذهب آخرون إلى أن الخطأ الشخصي هو الذي يزيد من المخاطر العادية المألوفة  للوظيفة، أو يكون جسيماً ؛ والخطأ الجسيم ـ عندهم ـ هو الذي يصل إلى حد ارتكاب  جريمة تقع تحت طائلة العقاب ؛ وكلّ ما لا يكون كذلك فهو خطأ مرفقي.

ومثلوا للخطأ الشخصي بإصدار أحد المحافظين قراراً بهدم منزل دون سند من القانون، وكذلك باتهام رئيس إحدى الدوائر موظفاً لديه بجريمة السرقة دون مسوّغ ؛ وقالوا إن الدافع في هذين المثالين هو سوء نية الموظف، وهو خطأ جسيم، ولذلك يعدّ شخصياً .

ويُنتقد هذا الرأي من جهة أنه يحصر نسبة الأخطاء الجسيمة في الموظفين وحدهم،  وينـزّه الدولة عن الوقوع في مثل هذه الأخطاء ؛ وهو بالتالي يقرر عدم مسؤوليتها عنها .   علماً بأن كثيراً من الأخطاء الجسيمة يتعذر في الحقيقة نسبتها إلى الموظفين . ولعل خير مثال يكشف عن عدم دقة هذا الرأي، ما كانت تنتهجه كل الدول الاستعمارية في الدول التي كانت خاضعة لها، من نهب خيراتها، وتشريد شعبها، وزرع أراضيها بالألغام، وقتل أبريائها، وما إلى ذلك ؛ فهذه الأعمال كلها أخطاء جسيمة، فهل يصح القول: إنها كلها مجرّد أخطاء شخصية، وأن تلك الدول غير مسؤولة عنها ؟

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذا الرأي ـ على فرض صحته ـ يفتقر إلى تحديد معيار سديد للتمييز بين الخطأ الجسيم، وهو ما تقع مسؤوليته على الموظفين حصراً، والخطأ غير الجسيم، الذي يمكن أن تقع مسؤوليته على الموظفين، أو على الدولة .

وأخيراً فإن هذا الرأي غير عملي، ويؤدي تطبيقه إلى نتائج غير منطقية ؛ فالأخطاء الجسيمة عادة ما تنتج عنها أضرار كبيرة وخطيرة ؛ ووفقاً لهذا الرأي فإنه ليس للمضرور إلا الرجوع على الموظف الذي نُسِبَ إليه الخطأ الجسيم، ليطالبه بالتعويض ؛ وهذا الأخير غالباً  ما يتعذر عليه تعويض المضرور، طالما أن الضرر كبير وخطير، فيضيع حق المضرور بالتعويض .  بل إن هذا الرأي سيعيق معظم الموظفين عن القيام بمهام الوظيفة العامة، لخوفهم الشديد من نتائج تصرفاتهم الوظيفية .

ولهذا ذهب فريق ثالث إلى القول: إن الموظف إذا كان قد استعان بوظيفته في ارتكاب الخطأ، فهذا خطأ شخصي ؛ أما إذا كان يعتقد وقت ارتكاب الخطأ أنه كان يؤدي وظيفته،  فهذا خطأ مرفقي . وقد ذهب هؤلاء أيضاً إلى أن الخطأ الجسيم لا يكون إلا شخصياً .

ولقد مثّل أصحاب هذا الرأي للخطأ الشخصي، بإرسال موظف البريد بعض البرقيات إلى جهة أخرى غير الجهة المحددة في البرقية عامداً، ومثلوا للخطأ المرفقي بالعمل ذاته، من  الموظف نفسه، ولكن من دون أن يتعمد ذلك .

ويلاحظ على هذا المعيار أنه يتساهل إلى درجة كبيرة .

وبيان ذلك أن الأصل هو حسن النية، والبراءة، وعدم تعمد الوقوع في الأخطاء، وهذا يعني أن على المضرور أن يثبت سوء نية الموظف، أو تعمده ارتكاب الخطأ ؛ وهو أمر في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً . فما أسهل أن يدّعي الموظف أنه كان، وقت ارتكابه الخطأ،  يعتقد أنه يؤدي وظيفته على أتم وجه . وبذلك ينتقل الخطأ الشخصي إلى خطأ مرفقي، وتسأل عنه الإدارة .

أما من جهة أن هذا الرأي يحصر الخطأ الجسيم في الموظفين وحدهم، وينـزّه الدولة عن الوقوع في مثل هذه الأخطاء، فهو ما سبق أن انتقدناه في مناقشتنا للرأي السابق، وهو ما يصلح أن يوجه إلى هذا الرأي أيضاً .

وذهب فريق رابع إلى أن الخطأ يعد شخصياً، إذا انطوى تصرف الموظف على ظرف خاص، يمكن فصله عن العمل الإداري الحقيقي، سواء أكان هذا الظرف مادياً أو معنوياً ؛   أما إذا لم  يمكن فصل تصرف الموظف عن العمل الإداري الحقيقي، فإن الخطأ الذي قد يقع منه، في معرض ممارسته لعمله، يعدُّ خطأً مرفقياً .

ومن الأمثلة التي ساقها أصحاب هذا الرأي على الخطأ الشخصي، مصادقة رئيس مجلس إحدى البلديات، على صحة توقيع أحد الأفراد، دون مراعاة التعليمات الوزارية الصادرة إليه  بهذا الشأن، وثبوت تزوير التوقيع فيما بعد .

ولا شك في اتساع هذا المعيار أكثر مما يجب، إذ إن أي تصرف ضار ـ مهما كان  بسيطاً ـ مما يمكن فصله عن واجبات الوظيفة، سيكيّف على أنه خطأ شخصي . وبالمقابل فإن أي تصرّف ضار ـ مهما كان جسيماً ـ مما لا يمكن فصله عن واجبات الوظيفة، سيكيّف   على أنه خطأ مرفقي .

وعلى هذا فإن أهم ما يميّز هذا الرأي أنه اعترف بأن الخطأ الجسيم يمكن أن يقع من الدولة، وبالتالي يمكن أن تكون مسؤولة عنه .

ومع ذلك فإن تطبيق هذا الرأي عملياً لا يخلو من صعوبة، فقد يرتكب الموظف أخطاءً لا يمكن فصلها عن واجبات الوظيفة، ولا يمكن، في الوقت نفسه، اعتبارها خطأً مرفقياً ؛ كما  لو تعمد تنفيذ واجبات وظيفته بقدر من الشدة، حرصاً على حسن تسيير المرفق العام، فألحق ببعض الناس ضرراً .

وذهب رأي خامس إلى القول: إن الموظف إذا كان يهدف من وراء العمل إلى تحقيق  غرض شخصي، مشروع أو غير مشروع، مما لا يدخل في اختصاص الإدارة التي يعمل بها، فإنه يكون قد ارتكب خطأً شخصياً ؛ وبالمقابل فإنه إذا كان يهدف من وراء العمل إلى تحقيق غرض عام مشروع، مما يدخل في اختصاص الإدارة التي يعمل بها، فإن ما يرتكبه من أخطاء  في مثل  هذه الحالة يعد خطأ مرفقياً .

وبالرغم من بساطة هذا المعيار ووضوحه، ومن تشجيعه الموظف على العمل في حدود أهداف الوظيفة التي  يشغلها، لأنه إذا تخطاها فإنه سيسأل شخصياً، إلا أنه منتقد من جهة عدم اعتبار الخطأ الجسيم، الذي يرتكبه الموظف بحسن نية، خطأ شخصياً ؛ بل يعد خطأً مرفقياً . مما قد يترتب عليه تفشي روح التراخي والاستهتار في العمل الوظيفي .

وأمام هذا الاختلاف الشديد في معيار التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، الذي أدى إلى ظهور عدد من الآراء المضطربة وغير المفهومة، نادى البعض بالتخلي عن التمييز التقليدي بين هذين النوعين من الخطأ، وقالوا : إن الباحثين في الحقوق الإدارية قد وقعوا في خطأ كبير، عندما فهموا اصطلاح ” الخطأ المرفقي “، على أنه تعبير عن خطأ منسوب إلى المرفق العام ؛ وقالوا : إن هذا أمر يناقض ما استقر عليه الفقه حديثاً .

فمن المتفق عليه اليوم ـ على حدّ قول هؤلاء ـ أن الشخص المعنوي لا يمكن أن يرتكب الأخطاء، لأنه لا يمكن أن تكون له إرادة خاصة، وكل خطأ لا بد وأن يرتكبه شخص طبيعي،  ثم تسأل عنه الإدارة بعد ذلك، طبقاً لقواعد المسؤولية عن فعل الغير .

وقالوا : إن تبني أي معيار للتفرقة بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، يعني اعتناق  النظرية العضوية في تفسير الشخص المعنوي، وهي نظرية أصبحت مهجورة اليوم تماماً .

ووفقاً لهذا الرأي، يشترط لمسؤولية الإدارة عن أخطاء موظفيها، ما يلي :

(1)- خطأ الموظف .

(2)- أن توجد صلة، ولو مادية، بين خطأ الموظف والوظيفة .

ويرى هؤلاء إن الإدارة يجب أن تتحمل كل الأخطاء التي يرتكبها موظفوها، في معرض ممارستهم لأعمال وظيفتهم ؛ ويجب عليها أن تؤدي للمضرور كامل التعويض الذي يجبر هذا الضرر . ثم بعد ذلك يمكن لها أن ترجع على موظفيها، لتطالبهم بكل أو ببعض مبلغ التعويض، تبعاً لمدى مسؤوليتهم الشخصية عما ارتكبوه من أخطاء .

وهكذا عادت هذه المحاولة لتقع فيما حاولت الإفلات منه .

فما هو المعيار الذي يمكن الركون إليه، لتحديد الحالات التي يحق للإدارة أن ترجع فيها على الموظفين، بمبلغ التعويض الذي أدته للمتضررين ؟

ومتى يكون هذا الرجوع بكامل مبلغ التعويض ؟ ومتى يكون ببعضه فقط ؟

الواقع أن هذا الرأي لم يقدم جديداً في الجواب على هذه الأسئلة، وإنما رجع إلى المعايير سالفة الذكر، دون أن يستطيع أن يرجح بينها بمرجح قوي معتبر .

وعلى هذا يمكن القول: إن هذا الرأي، لم يأت بجديد في مسألة التمييز بين الخطأ الشخصي من جهة، والخطأ المرفقي من جهة أخرى .

على أنه قد أتى بجديد مفيد؛ وهو أن مسؤولية الدولة المفترضة أصلاً، تجاه كل الأضرار التي يصاب بها الأفراد، بسبب ممارسة الموظفين لأعمالهم، سوف تعفي المضرور، وهو يطالب بالتعويض، من الدخول في دوامة الجدل الفقهي، حول ما إذا كان الخطأ الذي سبب له الضرر، يعدّ خطأً شخصياً يسأل عنه الموظف، أو خطأً مرفقياً تسأل عنه الإدارة .

وإن مما يعد نقطة إيجابيةً كبيرة، لصالح هذا الرأي، أنه ينهي معاناة طويلة ومريرة، كان يقع فيها كل مضرور لحق به الضرر بسبب نشاطات الإدارة أو تسييرها للمرافق العامة.

فكثيراً ما كان المتضررون يؤسسون دعاواهم بالتعويض، على أساس أن الخطأ هو خطأ مرفقي، ويطالبون الدولة بالتعويض، وبعد المحاكمة، أمام القضاء الإداري على اختلاف درجاته، وتبادل اللوائح والمذكرات، والدخول في دوامة التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، وسعي من يمثل الدولة في هذه الدعاوى، إلى إثبات أن الخطأ المرتكب ليس خطأً مرفقياً تسأل  عنه الدولة، ومطالبتهم القضاة برد دعوى المتضررين، كان القضاة يردون هذه الدعاوى أو بعضاً منها فعلاً، ويعلنون في أحكامهم أن الخطأ المرتكب ليس خطأً مرفقياً . فلا يجد المتضررون بداً  من اللجوء إلى القضاء العادي، والعودة من جديد إلى نقطة الصفر، والدخول مجدداً، أمام مختلف درجات القضاء العادي، في دوامة التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، مع سعي الموظفين أو ممثليهم، هنا أيضاً، لدفع المسؤولية عن أنفسهم، ومحاولة إثبات أن الخطأ المرتكب  ليس خطأً شخصياً، ومطالبتهم القضاة برد هذه الدعاوى.

ولا نبالغ إذا قلنا إن مما كان يحدث في الواقع العملي، أن يرد القضاء الإداري بعض هذه الدعاوى، بحجة أن الخطأ المرتكب ليس خطأً مرفقيا، ويرد القضاء العادي هذه الدعاوى نفسها، بحجة أن الخطأ المرتكب ليس خطأً شخصياً ؛ فيضيع التعويض على المضرور في هذه الدوامة الغريبة من التنازع بين القضاءين.

بل إن العكس يمكن أن يقع أحياناً، فيقضي القضاء الإداري بأن الخطأ المرتكب خطأ مرفقي، ويحكم على الدولة بالتعويض، ويقضي القضاء العادي بأن الخطأ المرتكب خطأ  شخصي، ويحكم على الموظف بالتعويض . فيجمع المضرور بين تعويضين اثنين مع أن الضرر واحد .

وهذا هو بالضبط ما أدى إلى ظهور قاعدة الفصل التام بين الخطأ الشخصي والخطأ  المرفقي . بحيث لا يجتمعان معاً على صعيد واحدٍ أبداً ([2])  .

ومما كان يساهم في هذه المشكلة العميقة فعلاً، أن ما ينتهي إليه القضاء الإداري لا يعدّ أمراً ملزماً للقضاء العادي، وأن ما ينتهي إليه القضاء العادي لا يعدّ أمراً ملزماً للقضاء الإداري أيضاً . كل هذا فضلاً عن عدم الاتفاق أصلاً على معيار واحد واضح، للتمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، حيث كان الخلاف في هذه المسألة على أشده، كما رأينا آنفاً .

وعلى فرض نجاح أحد المتضررين في إثبات الخطأ الشخصي على أحد الموظفين، ومطالبته بالتعويض عما أصابه من ضرر بسبب هذا الخطأ، كانت تبرز أمامه مشكلة جديدة أخرى، هي عدم قدرة الموظف المالية على تحمل مبلغ التعويض .

وهكذا كانت مسألة التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، تتسبب بمآسٍ كبيرة لا يتجرع مرارتها إلا المتضررون.

فكان هذا الرأي الأخير ـ بالرغم من أنه لم يوفق في التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي ـ مخرج طيب من هذه المشكلة، وحل منطقي لمعضلتها .  

وبالنسبة لأساس مسؤولية الدولة المفترضة، والتي تلتزم الدولة بموجبها بالتعويض عن كل ضرر أصاب أي شخص، بسبب ممارستها لنشاطاتها المختلفة، وتسييرها للمرافق العامة، فهو مبدأ أو قاعدة ” الغرم بالغنم ” .

فكما أن الدولة تستفيد من عمل موظفيها إذا أحسنوا، يجب عليها أن تتحمل نتائج أعمالهم إذا أخطأوا .

أما حق الدولة في الرجوع على موظفيها [(3])، لمطالبتهم بكامل مبلغ التعويض الذي دفعته للمضرور، أو بقسم منه فقط، وهو ما يمكن أن يعيدنا إلى مسألة التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، فالذي نراه أنه ليس هناك معيار واضح يمكن الركون إليه للتمييز بين هذين النوعين من الخطأ، ولعل الأولى الاحتكام في هذا الأمر إلى الأعراف الوظيفية، فما تعارف الموظفون على القيام به من أعمال، إذا أدت إلى أي ضرر بأي شخص، فلا مسؤولية فيها على الموظف وتتحملها الدولة، وما تعارف الموظفون على تجنبه من الأعمال، إذا أدى إلى أي ضرر بأي شخص، فتتحمله الدولة ابتداءً، وتؤدي التعويض عنه للمضرور، ثم ترجع به على الموظف ([4]) .

وهنا يبرز دور القاضي الإداري، ومدى حسّ العدالة عنده، ومدى اطلاعه على الأعراف الوظيفية، التي تتغير وتتبدل بين الحين والآخر، تبعاً لتطور المعارف، والعلوم، والوسائل الحديثة، التي تعتمد عليها الدولة في نشاطاتها، ومرافقها العامة .

ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن هذا هو المخرج الطبيعي والمناسب للتمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، وإن العرف المتجدد والمتطور أبداً، هو المعيار الأفضل في هذا المقام.

وآية ذلك أن تشخيص الطبيب في مستشفى حكومي، لمرض من الأمراض، التي يمكن أن تصيب مراجعي هذا المستشفى، ومدى الخطأ في التشخيص، الذي قد يقع فيه هذا الطبيب، يختلف اختلافاً كبيراً من زمن لآخر، تبعاً لتقدم العلوم الطبية، ويختلف اختلافاً كبيراً أيضاً، تبعاً لتقدم الأجهزة الطبية، ووسائل الفحص الطبي .

ولقد كان الخطأ في التشخيص، الذي ربما يؤدي إلى وفاة المريض، أمراً عادياً، وخطأً بسيطاً، منذ فترة زمنية ليست بعيدة ؛ أما اليوم فإن الخطأ في التشخيص، الذي يؤدي إلى زيادة آلام المريض عدة ساعات فقط، يعدّ أمراً غريباً، وخطأً كبيراً ؛ وهذا من أثر ازدياد التعمق في العلوم الطبية من جهة، وتقدم الأجهزة والمعدات الطبية ووفرتها من جهة أخرى ؛ وما زال التقدم العلمي والتقني مستمراً ومتسارعاً وسيبقى ؛ وما هذا التبدل في تقويم هذه الأخطاء، إلا دليلاً على أن العرف الخاص، في كل زمان ومكان، هو الذي يمكن الاحتكام إليه، لتكييف تصرف ما بأنه خطأ أو غير خطأ من جهة، ولوصف الخطأ بأنه جسيم أو غير جسيم من جهة أخرى .

هذا فضلاً عن أن الحس الاجتماعي العام عند الناس، سواء بالعدل أو بالظلم، يرتكز  في جزء كبير منه، على ما تعارفو عليه ، في أزمنتهم وأمكنتهم، مما يعدونه خطأً أو صوابا ([5]).

وخلاصة ما تقدم: إن الاختلاف في التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، أدى إلى إشكالات قضائية كبيرة، دفع المتضررون ثمنها ، وقد أدت هذه الإشكالات إلى ظهور مبدأ الفصل التام بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، بحيث كان ثبوت أحدهما ينفي الآخر آلياً ؛ ولم يجنح القضاء الوضعي إلى شيء من الصواب في هذه المسألة إلا متأخراً ؛ فقرر في بداية الأمر أن الدولة يمكن أن تسأل عن الخطأ المرفقي جنباً إلى جنب مع موظفها الذي يسأل عن الخطأ الشخصي، ثم آل الأمر أخيراً إلى مسؤولية الدولة وحدها أمام المضرور، بصرف النظر عن كون الخطأ شخصياً أو مرفقياً، مع الاعتراف للدولة بحق الرجوع على موظفها، بما أدته للمضرور من تعويض، إما كلياً أو جزئياً، حسب درجة جسامة خطأ الموظف، بصرف النظر عن مدى جسامة الضرر الذي أصاب المضرور .


([1]) انظر في مجمل هذه الآراء القضاء الإداري، للدكتور سليمان محمد الطماوي، 2/108 وما بعدها، دار الفكر العربي، القاهرة، 1996م . والقضاء الإداري ـ قضاء التعويض، للدكتور أنور أحمد رسلان، ص 199 وما بعدها، دار النهضة العربية، القاهرة، 1991م . وقضاء التعويض، للدكتور رمزي طه الشاعر، 1/284 وما بعدها، بدون دار نشر، 1990م . القضاء الإداري، للدكتور محمد رفعت عبد الوهاب، والدكتور حسين عثمان، ص 599 وما بعدها، دار الفاتح للطباعة والنشر، الاسكندرية، 1997م . وقضاء التعويض، للدكتور محمد عبد الواحد الجميلي، ص 317 وما بعدها، دار النهضة العربية، القاهرة، 1995م . والقضاء الإداري، للدكتور ماجد راغب الحلو، ص 464 وما بعدها، دار المطبوعات الجامعية، الاسكندرية، 1995م . والمسؤولية الإدارية، للدكتورة سعاد الشرقاوي، ص 143 وما بعدها،  دار المعارف، القاهرة، ط4، 1974م. ومسؤولة الدولة عن أعمالها غير التعاقدية، للدكتور فتحي فكري، ص 218 وما بعدها، دار النهضة العربية، القاهرة، 1995م . ومسؤولية الدولة عن أعمالها غير التعاقدية، للدكتور جابر جاد نصّار، ص 191 وما بعدها، دار النهضة العربية، القاهرة، 1995م . والتعويض في المسؤولية الإدارية، للدكتور محمد أنس جعفر، ص 10 وما بعدها، مرجع سابق . ونظرية الخطأ الشخصي في مجال المسؤولية الإدارية، رسالة دكتوراه، للدكتور سامي حامد سليمان، ص 103 وما بعدها، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط1، 1988م . ونظرية الخطأ المرفقي، رسالة دكتوراه، للدكتور حاتم علي لبيب جبر، ص 67 وما بعدها، مطابع أخبار اليوم، القاهرة، 1968م .

([2])   القضاء الإداري، للدكتور سليمان الطماوي، ص 160 .

([3]) راجع تكرما مقالنا حول مسئولية المتبوع عن أعمال تابعه غير المشروعة .

([4]) والقضاء المصري مستقر على أنه في إطار العلاقة بين الدولة كمتبوع وموظفيها كتابعين لها ، لا ترجع الدولة على موظفيها بما دفعته من تعويض للمضرور عن أخطائهم ، إلا إذا كانت أخطاء عمدية أو جسيمة .
وفي هذا قضت محكمة النقض المصرية بأنه : ” المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن النص في المادة ١٧٥ من التقنين المدني على أن ” للمسئول عن عمل الغير حق الرجوع عليه في الحدود التي يكون فيها هذا الغيرُ مسئولًا عن تعويض الضرر” ولئن كان يخول المتبوع إذا رجع عليه المضرور واستوفى منه التعويض عن الضرر الذي أحدثه تابعه بعمله غير المشروع حق الرجوع بما دفعه على التابع ، إلَّا أنَّه لمَّا كان المتبوعُ الذي يستخدم تابعينَ له في القيام بأعماله ورعاية مصالحه ينتفعُ من نشاطهم ، فإنَّه في المقابل يجبُ أن يتحملَ ما يترتب على هذا النشاط من التزامات أو مسئوليات ناجمة عن خطأ تابعه ، متى كان هذا الخطأُ من الأخطاء اليسيرة الشائعة التي تعتبر من مخاطر نشاط التابع ، فقد خلصت مغانمُه للمتبوع فمن العدل أن يتحملَ مغارمَه ، ذلك أنَّه ليس من المنطق أو العدالة – في علاقة المتبوع بالتابع – أنْ يتحمل التابعُ وحده مسئوليةَ أي خطأ يقع منه ، ولو كان من الأخطاء اليسيرة الشائعة الملازمة للنشاط وتُعدُّ من مخاطره ، لأن تحميل التابع بالتعويض من ذمته المالية الخاصة ينطوي على إجحافٍ في حقه ، إذ يجعل غُنْمَ النشاطِ للمتبوع وغُرْمَه على التابع وحده ، برغم أنَّ الأول هو الأقدرُ على حمل عبء مسئولية هذا الخطأ ، ولهذه الاعتبارات سالفة البيان ، فإنَّه يشترط لرجوع المتبوع على التابع بما دفعه من تعويض عن الضرر الذي أحدثه تابعُه بخطئه أنْ يكونَ الخطأُ جسيمًا أو كان مدفوعًا فيه بعوامل شخصية قصد بها مجرد النكاية أو الإيذاء أو تحقيق منفعة ذاتية سواءً له أو لغيره ، وذلك اتباعًا لنهج المشرع في حصر حق المتبوع في الرجوع على تابعه بما حكم به عليه من تعويض في الحالات السابقة بنص المادة ٥٨ من قانون العاملين بالدولة رقم ٤٦ لسنة ١٩٦٤ المقابلة للمادة ٧٨ / ٣ من القانون رقم ٤٧ لسنة ١٩٧٨ و ٥٨ / ٣ من القانون ٨١ لسنة ٢٠١٦ ، وفي المادة ٥٧ من القانون رقم ٦١ لسنة ١٩٦٤ في شأن هيئة الشرطة المقابلة للمادة ٤٧ / ٣ من القانون اللاحق رقم ١٠٩ لسنة ١٩٧١ .” ( الطعن رقم ٢٥٩٧ لسنة ٨٤ قضائية جلسة ٢٠٢٠/٠٦/٠١)

([5])   وصدق الله العظيم، القائل في كتابه الكريم : ” خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ” [سورة الأعراف، الآية ” 199 “]

تعليقات فيس بوك
Sending
User Review
5 (1 vote)

عن الكاتب

محمد خالد شرف المحامي بالنقض

محامي حر ومستشار قانوني لأكثر من تسعة عشر عاما ،أنشأت هذه المدونة إثراء للمحتوى والفكر القانوني المصري والعربي على شبكة الأنترنت ،ولمساعدة زملائي المحامين وخاصة المبتدأين منهم في الوصول إلى المعلومة القانونية الصحيحة في بداية مسيرتهم المهنية.

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.