مسئولية متولي الرقابة | شروطها | أساسها | كيفية دفعها | الرجوع على المشمول بالرقابة

الصورة بواسطة Gustavo Fring من Pexels

مسئولية متولي الرقابة

      نتناول – بمشيئة الله تعالى – خلال هذا البحث الشروط الواجب توافرها لقيام مسئولية متولي الرقابة عمن تحت رقابته، فضلا عن بيان ما يتصل بهذه المسئولية من أحكام سواء من حيث الأساس الذي تقوم عليه هذه المسئولية أو من حيث طريقة أو كيفية دفعها أو نفيها، أو من حيث مدى حق متولي الرقابة في الرجوع على المشمول برقابته عما دفعه من تعويض للمضرور عن فعله الضار.

المطلب الأول
شروط قيام مسئولية متولي الرقابة

      لكي تثبت مسئولية الشخص بوصفه متوليا للرقابة على غيره ، يشترط القانون توافر شرطين لقيام هذه المسئولية ، أولهما أن يكون ثمة التزامٌ قانوني أو اتفاقي بالرقابة على عاتقه في مواجهة شخص معين في حاجة لهذه الرقابة، وثانيهما أن يصدر عن المشمول برقابته فعل ضار بالغير ([1]) وذلك على التفصيل التالـي :

  • أولاً : الشرط الأول : وجود الالتزام القانوني أو الاتفاقي بالرقابة:

      ينبغي لكي تثور مسئولية أي شخص بوصفه متوليا الرقابة على غيره، أن يكون هذا الشخص ملتزما قانونا أو اتفاقا بالرقابة على هذا الغير بسبب حاجة هذا الغير إلى الرقابة لصغر سنه أو لحالته العقلية (كالمجنون والمعتوه) أو حالته الجسمية (كالأعمى والمشلول).

      فالصبي غير المميز أو من في حكمه ( كالمجنون والمعتوه ) في حاجة إلى الرقابة، لذلك يفرض القانون على عاتق الشخص المسئول عنه ( ولى النفس كالأب ثم الجد ثم العم ) التزاما بالرقابة عليه لمنع إضراره بالغير ([2]) ، بحيث تنعقد مسئولية هذا الولي في مواجهة المضرور إذا وقع من أيهما فعل ضار بالغير، على الرغم أن سلوك أيهما لا يصدق عليه وصف الخطأ (لانعدام ركن الإدراك في حقه لكونه غير مميز) اللازم لقيام المسئولية في حق أحدهما.

      وبالنسبة للصبي المميز ومدى حاجته إلى الرقابة من القائم على تربيته ، فقد مايز القانون – بموجب المادة 173 فقرة 2 مدني – في ذلك بين حالتين:

الحالة الأولى: حالة القاصر الذي لم يبلغ سن الخامسة عشرة من عمره فقد قدر القانون أنه لا يزال في حاجة إلى رقابة القائم على تربيته وبالتالي يظل مسئولاً عن أفعاله الضارة بغيره، سواء كان يعيش في كنفه (أي يسكن معه وينفق عليه) أم كان يعيش في كنف آخر.

الحالة الثانية : أن يكون القاصر قد بلغ سن الخامسة عشرة من عمره ، ففي هذه الحالة نفرق بين فرضين:

الفرض الأول أن يكون القاصر قد استقل بعيشه عن المكلف برقابته فأصبح معتمدا على نفسه في كسبه ولو ظل مقيما معه في المسكن ، ففـي هذا الفرض لا يكون الرقيب عليه مسئولاً عن أفعاله بل يعد هو نفسه مسئولاً عنها.

والفرض الثاني أن يكون القاصر لا يزال رغم بلوغه هذه السن معتمدا على المكلف برقابته في الإنفاق عليه، فعندئذ تظل مسئولية هذا الرقيب عن أفعاله إلى أن يبلغ سن الرشد، حتى وإن كان مقيما بعيدا عنه، كما لو كان طالب علم يقيم في بلد بعيد عن وليه ويعتمد عليه في الإنفاق على عيشه ودراسته.

      وإذا كانت الرقابة على من في حاجة إليها قد تنشأ بناء على نص قانوني كما سبق أن رأينا فقد تنشأ أيضا بطريق الاتفاق أو العقد، كرقابة المستشفى على المجنون الذي يقيم بها للعلاج بموجب اتفاق بين وليه وإدارة المستشفى.

      أما إذا انتفت الرقابة القانونية أو الاتفاقية فلا مجال لإثارة مسئولية متولي الرقابة حتى وإن ثبتت للشخص الرقابة الفعلية على غيره سواء كانت رقابة دينية أو سياسية أو فنية، ولذلك لا يسأل رئيس الجماعة الدينية عن أخطاء أتباعه ومريديه، كما لا يسأل رئيس الحزب السياسي عن أخطاء أعضاء حزبه، كما لا يسأل رئيس النقابة عن أخطاء أعضاء النقابة. بل إنه إذا انتفت حاجة المشمول بالرقابة إلى الرقابة فلا تثور مسئولية متولي الرقابة حتى وإن ثبت وجود الالتزام القانوني بالرقابة، وبالتالي لا يسأل السجان عن أخطاء المساجين رغم كونه ملتزما قانونا بالرقابة عليهم ، إذ ليس كل التزام قانوني بالرقابة من شأنه أن يثير مسئولية متولي الرقابة ، وإنما يلزم أن يكون أساس هذه الرقابة راجعاً إلى حاجة  المشمول بالرقابة إليها بسبب صغر سنه أو حالته العقلية أوالجسمية. وإذا ثبتت الرقابة القانونية أو الاتفاقية بسبب الحاجة إليها ، فهل يتصور انتقالها من شخص إلى آخر ؟

      لا شـك أن الصغير الـذي لم يبلغ سن الخامسة عشرة من عمره أو بلغها ولكن لا يزال يعيش في كنف القائم على تربيته إذا انتقل إلى المدرسة انتقلت رقابته إلى المسئولين عن إدارة هذه المدرسة، وبالتالي تنتقل المسئولية عن أفعاله إلى المدرس داخل حجرة الدرس ، وإلى مدير المدرسة داخل فناء المدرسة ([3]) ، وإلى المشرف الاجتماعي أثناء الرحلات المدرسية ، أما بالنسبة للأستاذ الجامعي فإن مسئوليته عن أخطاء طلابه الجامعيين تحتاج إلى التفرقة بين الفرض الذي يلقى فيه الأستاذ الجامعي محاضرته داخل قاعة كبرى تضم عددا كبيرا من الطلاب بحيث يتعذر عليه أن يراقب سلوكياتهم أو يسيطر على حركاتهم ، إلى جانب قيامه بإلقاء المحاضرة، ففي هذه الحالة لا يتصور مسئوليته عن أفعالهم باعتباره متولي الرقابة عليهم ، بخلاف إذا كان الأستاذ الجامعي يلقي محاضرته داخـل حجرة صغيرة تضم عددا من الطلاب يسهل عليه مراقبة سلوكياتهم ، وملاحظة تصرفاتهم ، فعندئذ يعامل معاملة المدرس في المدرسة فيكون مسئولا عن أفعالهم ، كما هو الحال في الدروس التطبيقية التي يلقيها الأستاذ الجامعي على طلابه ، حيث يكون عدد الطلاب قليلا على نحو يمكنه من مراقبة أفعالهم أو تصرفاتهم ، أو أثناء تواجده معهم داخل المعامل لإجراء بعض التحاليل والتجارب ، حيث يلتزم الأستاذ الجامعي بحسن مراقبة سلوكيات الطلاب داخل هذه المعامل لما تحويه عادة من مواد خطرة .

  وإذا انتقل القاصر بعيدا عن رقابة وليه للتمرين على حرفة أو رياضة معينة مثلا انتقلت رقابته إلى من يتولى تعليمه وتدريبه على هذه الحرفة أو ذلك النشاط الرياضي وأصبح مسئولا عن أفعاله طوال فترة وجوده تحت رقابته. على أن يراعي أن القاصر إذا تجاوز مرحلة التمرين وأصبح عاملاً لدى رب العمل أو عضواً في الفريق الرياضي مقابل أجر كامل يتقاضاه عن عمله أو نشاطه، فعندئذ يصير تابعاً لرب العمل أو المسئول عن الفريق الرياضي ، فيسأل رب العمل أو المسئول عن الفريق الرياضي عن أخطاء أحدهما مسئولية المتبوع عن أعمال تابعه متى توافرت شروطها ([4])، وليس على أساس متولي الرقابة .

      ويراعي أن الزوجة إذا كانت قاصرا انتقلت الرقابة عليها من وليها إلى زوجها إذا كان بالغاً سن الرشد ، أما إذا كان الزوج أيضا لا يزال قاصراً انتقلت الرقابة عليها إلى من له الرقابة على زوجها القاصر، وقد يتصور انتقال الرقابة على الزوجة القاصر من زوجها أو من القائم على زوجها القاصر إلى المدرسة إذا كانت تلميذة أو إلى معلم الحرفة إذا كانت تتدرب لديه على حرفة أو مهنة معينة ، وذلك طوال فترة وجودها داخل المدرسة أو المصنع الذي تتلقى فيه تعليمها أو تمرينها.

      وإذا بلـغ القاصـر سن الرشد غير مصاب بحالة عقلية ( كجنون أو عته ) أو حالة جسمية (كشلل أو عمى) زالت عنه رقابة وليه أو من كان رقيبا عليه، وأضحى وحده المسئول شخصيا عن أخطائه التي تضر بغيره ، بحيث يمتنع على المضرور الرجوع على من كان رقيباً على هذا القاصر قبل البلوغ ، حتى وإن  ثبت أنه لم يزل رغم بلوغه معتمدا على وليه في الإنفاق على دراسته أو حياته المعيشية ([5]) .

  • ثانياً : الشرط الثاني : وقوع فعل ضار بالغير من المشمول بالرقابة :

      لا يتصور قيام مسئولية متولي الرقابة إلا إذا صدر عن المشمول برقابته فعل ضار بالغير، سواء أكان الفعل يصدق عليه وصف الخطأ كما لو كان المشمــول بالرقابة صبيا مميزا أم كان لا يصدق عليه وصف الخطأ لكون المشمول بالرقابة صبيا غير مميزاً أو مجنوناً أو معتوهاً ، حيث يتخلف عن سلوك أي منهم الركن المعنوي للخطأ ألا وهو ركن الإدراك.

      فإذا كان المشمول بالرقابة صبياً مميزاً وجب لقيام مسئولية متولي الرقابة عن فعله أن يثبت المضرور خطأ المشمول بالرقابة وفقا للقواعد العامة (أي بإثباته عنصري الخطأ في سلوك الصبي المميز المتمثلين في عنصري التعدي والإدراك معاً) ، وذلك على أساس أن مسئولية متولي الرقابة مسئولية تبعية لمسئولية الصبي المميز الأصلية عن خطئه الضار بغيره ، بحيث إذا تعذر على المضرور إثبات خطأ الصبي المميز أو إثبات الضرر الذي أصابه من جراء خطئه أو إثبات علاقة السببية بين خطأ هذا الصبي المميز والضرر الذي حدث له  ، فليس له من حق في الرجوع على متولي الرقابة على هذا الصبي ، هذا ما لم يكن خطأ الصبي غير واجب الإثبات ، كما لو كان خطأ الصبي المميز مفترضاً باعتباره حارساً لشيء معين كسيارة يقودها فيلحق بها ضرراً بغيره أثناء القيادة ، حيث يعتبر خطأ الصبي غير واجب الإثبات من جانب المضرور ، الذي يكفيه إثبات الضرر الذي أصابه من جراء قيادة الصبي لقيام مسئولية الصبي المميز وقيام مسئولية متولي الرقابة تبعاً لذلك.

      أما إذا كان المشمول بالرقابة صبيا غير مميز أو مجنونا أو معتوها فيكفي لرجوع المضرور على متولي الرقابة عنه إثبات عنصر التعدي فــي سلــوك المشمول برقابته بإتيانه عملا غير مشرع وفقا لمسلك الشخص المعتاد، حتى وإن ارتفع عن هذا السلوك وصف الخطأ لتخلف ركنه المعنوي المتمثل في ركن الإدراك ، وتعتبر مسئولية متولي الرقابة في هذا الفرض مسئولية أصلية وليست مسئولية تبعية ، لأن المشمول بالرقابة عديم الأهلية مما يستحيل معه نسبة الخطأ إليه حتى يمكن أن نقول بأنه مسئول عن فعله مسئولية أصلية ، وأن مسئولية متولي الرقابة عنه مسئولية تبعية ، ويقوم التزامه بالتعويض عن فعل المشمول بالرقابة في مواجهة المضرور على أساس الضمان أو مبدأ تحمل التبعة .

      ومن المتصور أن يكون الغير الذي أضير من فعل المشمول بالرقابة خاضعاً أيضا لرقابة نفس الشخص الذي يتولى رقابة محدث الضـرر ، كمـا لو كان المضرور والمسئول تلميذين في مدرسة واحدة أو كانـا يتلقيان تدريباً أو تمريناً على حرفـة أو مهنة لدى معلم واحد ، أو كانا قاصرين يتولى رقابتهما ولى واحد أو شخص آخر واحد ، أو كانا مجنونين يتلقيان علاجا لدى مصحة نفسية واحدة .

      ومما ينبغي لفت الانتباه إليه أن الشخص لا يمكن مساءلته بوصفه متولياً الرقابة إلا في الحالات التي يصدر فيها عن المشمول بالرقابة فعل ضار بغيره ، وبالتالي لا تقوم مسئوليته كمتولي الرقابة في الحالات التي يقع فيها الضرر بالمشمول برقابته  ، سواء أكان محدث هذا الضرر غيراً من الأغيار كما لو صدم شخص بسيارته المجنون أو المعتوه أثناء سيره بالطريق ، أم كان محدث الضرر هو المضرور نفسه كأن يعبث المجنون بسلاح ناري أو بسكين فيصيب نفسه. غير أن ذلك لا يمنع من مساءلة متولي الرقابة لا على أساس الخطأ المفترض غير واجب الإثبات باعتباره رقيبا على المجنون أو المعتوه ، ولكن على أساس الخطأ الشخصي واجب الإثبات باعتباره شخصا عاديا وفقا للقواعد العامة للخطأ ([6]) .

المطلب الثاني
أساس مسئولية متولي الرقابة وكيفية دفعها

أولاً : أساس مسئولية متولي الرقابة :

      تقوم مسئولية متولي الرقابة على أساس الخطأ الشخصي المفترض في جانبه افتراضاً قابلاً لإثبات عكسه ، بمعنى أن وقوع العمل غير المشروع الذي أضَّر بالغير من جانب المشمول بالرقابة يفترض معه أنه راجع إلى خطأ المكلف برقابته المتمثل في تقصيره في عنايته ورعايته وحسن مراقبة سلوكياته وتصرفاته مما أدى إلى إضراره بالغير.

      وبالتالي يعفى المضرور من إثبات خطأ المكلف بالرقابة ، حيث يكفيه إثبات صدور عمل غير مشروع من جانب المشمول بالرقابة أضر به ، فتقوم قرينة قانونية بسيطة على الخطأ الشخصي للمكلف بالرقابة.

      ولا جرم أن افتراض الخطأ الشخصي في جانب المكلف بالرقابة يستوجب افتراض علاقة السببية بين هذا الخطأ وبين العمل غير المشروع الذي أضر بالغير ، فيكون خطأ المكلف بالرقابة سببا في وقوع العمل غير المشروع من المشمول برقابته ، والقول بغير ذلك يعنى تكليف المضرور بإثبات خطأ المكلف بالرقابة وهو غير مكلف قانونا بإثباته ، على أساس أن من يكلف بإثبات العلاقة بين أمرين يثبت في نفس الوقت هذين الأمرين. وبالتالي فإن مسئولية متولي الرقابة تقوم على خطأ مفترض وسببية مفترضة في ذات الوقت  ، فمن يترك صغيرا لـه يعبث بسلاحه الناري فيصيب به آخر ، يفترض أنه أخطأ في واجب رعاية الصغير ومراقبته وأن هذا الخطأ كان سبباً في إصابته للمضرور بهذا السلاح ، دون أن يكلف المضرور بإثبات خطأ المكلف بالرقابة أو علاقة السببية بين خطئه وخطأ الصغير الذي أصابه .

  • ثانياً : كيفية دفع مسئولية متولي الرقابة :

      إذا كان القانون قد جعل من وقوع العمل غير المشروع من جانب المشمول بالرقابة وإضراره بالغير قرينة قانونية على خطأ المكلف برقابته ووجود علاقة السببية بين خطئه وضرر المضرور ، ذلك الخطأ المتمثل في تقصيره في العناية به وحسن مراقبته له ، هذا فضلا عن أن هذا الخطأ كان سببا في وقوع الضرر ، إلا أنه قد اعتبرها مجرد قرينة بسيطة قابلة لإثبات عكسها ، بحيث يمكن للمكلف بالرقابة أن يدفع عن نفسه قانونا مغبة هذه المسئولية بهدم أساس هذه القرينة ، أي ينفي الخطأ المفترض في جانبه أو ينفى علاقة السببية بين خطئه وضرر المضرور.

      فإذا كانت مسئوليته تقوم على أساس افتراض الخطأ في حقه ، فإن له أن يهدم هذا الأساس الذي تقوم عليه مسئوليته بنفي هذا الخطأ المفترض فيه ، ويتحقق ذلك بإثباته أنه قد بذل في العناية بالمشمول بالرقابة والرعاية له وحسن المراقبة والتوجيه لسلوكه وتصرفاته ، ما يمكن أن يبذله أي شخص معتاد في نفس ظروفه ، هذا فضلا عن أنه قد اتخذ كافة الاحتياطات التي يحرص عليها الشخص المعتاد للحيلولة دون المشمول بالرقابة وإتيانه أي عمل غير مشروع يضر بغيره ، كأن يثبت أنه قد أخفى الأشياء الخطرة عن متناول أيدي الصغير أو لم يكن يسمح له بقيادة السيارة أو الدراجة قبل أن يتقن القيادة.

        كما يمكن للمكلف بالرقابة أن يدفع مسئوليته بنفي علاقة السببية بين خطئه والعمل غير المشروع الذي صدر من الخاضع لرقابته فأصاب المضـرور ، وذلك بإثباته أن الضرر الذي أصاب المضرور كان سيقع لا محالـة رغم بذله لكل صور العناية الواجبة عليه ( م 173 فقرة 3 مدني مصري ([7])) ، ويتحقق ذلك إذا أثبت أن العمل الضار الذي وقع من المشمول بالرقابة يرجع إلى استثارة السبب الأجنبي له ، كأن يثبت أن العاصفة كانت سببا في اندفاع الصغير فوقع على صغير مثله فأصابه بجرح ، أو يثبت أن الغير هو الذي حرِّض الصبي غير المميز أو المجنون علـى الإضرار بالمضرور كأن يعطيه نبلة ليرمي بها المضرور ، أو يثبت أن المضرور نفسه كان سببا في وقوع العمل غير المشروع الذي أصابه ، كما لو أن المضرور هو الذي استفزه واستثاره مما دفعه إلى رميه بالحجر فأحدث به الضرر ويراعي أنه في الحالات الثلاث سالفة الذكر التي يتحقق فيها السبب الأجنبي تنتفـي فيها مسئولية متولي الرقابة لانتفاء علاقة السببية بين الخطأ المنسوب إليه – على فرض صحة الإدعاء بوجوده – وبين الضرر الذي أصاب المضرور ، ونكون في حالتي خطأ الغير وخطأ المضرور أمام خطأين يتحمل المسئول عن أحدهما تبعه الضرر الذي حـدث ، فالغير الذي حرض المجنون أو الصبي غير المميز المشمول بالرقابة هو الذي يتحمل مسئولية الضرر الذي أصاب المضرور من العمل غير المشروع الذي وقع من المشمول بالرقابة الذي لا مسئولية عليه لأن عمله غير المشروع لا يصدق عليه وصف الخطأ لتخلف ركن الإدراك لديه كأحد ركني الخطأ ، ولا مسئولية على متولي الرقابة عنه لانتفاء رابطة السببية بين خطئه وبين ضرر المضرور ، وكذلك الحال حينما يكون الضرر الذي أصاب المضرور ناتجا عن خطئه في استثارة المجنون أو الصبي غير المميز لإيذائه ورميه بالحجر الذي أصابه. تبقى بعد ذلك حالة حدوث الضرر بناء على عمل غير مشروع صادر عن المشمول بالرقابة بسبب القوة القاهرة أو الحادث الفجائي كاندفاع الصبي بسبب عاصفة أو زلزال فأصاب آخر ، ففي هذا المثال يتحمل المضرور تبعه ذلك ، حيث لا يمكن مساءلة المكلف بالرقابة لانتفاء رابطة السببية بين خطئه والضرر الذي أصاب المضرور.

    وأعتقد من جانبي أن حماية المضرور ورعايته بتسهيل حصوله على التعويض الذي يجبر ضرره كانت تقتضي من جانب واضع القانون ألا يجيز لمتولي الرقابة دفع مسئوليته عن العمل غيــــر المشروع الصادر عمن تحت رقابته إلا في حالة نفيه علاقة السببية بين الإدعاء بتقصيره وبين الضرر الذي أصاب المضرور ، وذلك بإثبات السبب الأجنبي في أي صورة من صوره سالفة الذكر (كما في الأمثلة الثلاثة التي ذكرناها آنفاً )   ، وبالتالي لا يجيز له نفي خطئه بإثبات حسن المراقبة والتعهد للمشمول برقابته  ، فيجعل خطأه خطأ مفترضاً غير قابل لإثبات العكس ، بحيث لا يعفيه من المسئولية إلا السبب الأجنبي فقط. وذلك على أساس أن متولي الرقابة – من وجهة نظري – إذا فشل في درء إيذاء الخاضع لرقابته للغير يعد مخطئا خطأ يستوجب مسئوليته مهما أدعى أنه بذل كل محاولة لمنع ذلك ولكنه لم يفلح ووقع العمل غير المشروع الذي تولد عنه هذا الضرر رغم ذلك ، لاسيما وأن فتح باب نفي الخطأ في جانب متولي الرقابة سوف يترتب عليه تعذر قيام المسئولية في حق أي متولي رقابة عن غيره ، ويحرم المضرور من الرجوع عليه لتعويضه عن الضرر الذي أصابه ، لاسيما إذا كان المشمول بالرقابة صبيا غير مميز أو مجنونا أو معتوها ولا يمكن القول بمسئوليته شخصيا عن عمله غير المشروع لانتفـاء ثبوت الخطأ في حقه لكونه عديم الإدراك أو التمييز والذي يمثل أحد ركني الخطأ .

المطلب الثالث
مدى حق متولي الرقابة في الرجوع على المشمول برقابته

      إن حق متولي الرقابة في الرجوع على المشمول بالرقابة بما دفعه للمضرور من تعويض ليتوقف على طبيعة مسئوليته عن العمل غير المشروع الذي صدر عن المشمول بالرقابة ، هل كانت مسئوليته مسئولية تبعية قامت جنبا إلى جنب مع قيام مسئولية المشمول برقابته الأصلية بوصفه مسئولا مسئولية شخصية عن عمله غير المشروع ، أم أنها مسئولية أصلية غير تابعة لعدم توافر المسئولية في حق المشمول بالرقابة رغم وقوع العمل غير المشروع منه ؟

      وتعتبر مسئولية متولي الرقابة مسئولية تبعية للمسئولية الأصلية للمشمول بالرقابة إذا ثبتت عناصر المسئولية الشخصية في حق المشمول بالرقابة ، بأن كان صبيا مميزا فتوافر في فعله أو عمله الضار ركنا الخطأ كأساس لمسئوليته (وذلك بتوافر ركن التعدي في عمله بانحرافه به عن مسلك الشخص المعتاد ، وركن الإدراك باعتباره شخصا مميزا) سواء كان هذا الخطأ واجب الإثبات أو كان خطأً مفترضاً افتراضاً لا يقبل إثبات العكس كما لو كان حارسا لآلة ميكانيكية ، وفي هذه الحالة تقوم مسئولية متولي الرقابة جنبا إلى جنب مع قيام المسئولية الأصلية للمشمول برقابته ، ويكون للمضرور الخيار في الرجوع على أيهما يشاء أو أن يرجع عليهما معا كمتضامنين في المسئولية عن هذا الضرر ، وإن كان المضرور عادة ما يفضل الرجوع بالتعويض على المكلف بالرقابة بوصفه الأكثر قدرة على دفع ما عسى أن يحكم به القاضي لصالحه.

      وإذا اختار المضرور الرجوع على المكلف بالرقابة ، فليس من حقه مطالبة المضرور بالرجوع أولا على المشمول بالرقابة ، لأن مسئولية الكلف بالرقابة ليست مسئولية احتياطية أو بديلة ، ولكنها مسئولية تابعة لمسئولية المشمول بالرقابة تتزامن مع قيام مسئولية المشمول بالرقابة فتنهض معها في ذات وقت قيامها ، كما أنه لا يجوز للمشمول بالرقابة أن يطلب تقسيم المسئولية عن فعله الضار بينه وبين المكلف برقابته بدعوى أنه مسئول معه أمام المضرور ، لأن مسئولية المكلف بالرقابة ليست مسئولية أصلية وإنما هي مسئولية تبعية لمسئولية المشمول بالرقابة الأصلية رعاية للمضرور لتمكينه من الرجوع على شخص ملئ يقدر على دفع التعويض عن الضرر الناجم عن خطأ المشمول بالرقابة ، ولذلك يكون من حق المكلف بالرقابة عند دفعه التعويض للمضرور أن يرجع به على المشمول بالرقابة ليسترد منه قيمة هذا التعويض على أساس أن المشمول بالرقابة هو المسئول الأصلي عن دفع التعويض المتولد عن خطئه الشخصي (م175 مدني مصري([8])).

      بيد أنه قد تعتبر مسئولية متولي الرقابة عن الضرر الذي يحدثه المشمول بالرقابة مسئولية أصلية غير تابعة لغيرها ، على نحو لا يمكنه من الرجوع على المشمول بالرقابة بما دفعه للمضرور من تعويض عن عمله غير المشروع ، وذلك في الحالة التي يكون فيها المشمول بالرقابة عديم التمييز ، كما لو كان صبيا غير مميز أو كان مجنونا أو معتوها ، وذلك نظرا لتعذر قيام المسئولية في حق المشمول بالرقابة مع انعدام تمييزه ، لاستحالة نسبة الخطأ إليه فيما يأتيه من أعمال غير مشروعة ، حيث يلزم لقيام ركن الخطأ كأساس لقيام المسئولية وأحد أركانهـا الجوهرية أن يتوافر في حق المسئول عنصرا الخطأ وهما عنصر التعدي (والذي يتحقق بانحراف الشخص بسلوكه عن مسلك الشخص المعتاد) ، وعنصر الإدراك (والذي يتحقق بتوافر التمييز في جانب الشخص) ، والمشمول بالرقابة في هذا الفرض لا يتوافر في سلوكه الضار أو عمله غير المشروع عنصر الإدراك اللازم لنسبة الخطأ إليه وقيام المسئولية في حقه.


([1]) تنص المادة 173 من التقنين المدني المصري على أنه :

” 1- كل من يجب عليه قانوناً أو اتفاقاً رقابة شخص في حاجة إلى الرقابة، بسبب قصره أو بسبب حالته العقلية أو الجسمية، يكون ملزماًً بتعويض الضرر الذي يحدثه ذلك الشخص للغير بعمله غير المشروع. ويترتب هذا الالتزام ولو كان من وقع منه العمل الضار غير مميز.

2- ويعتبر القاصر في حاجة إلى الرقابة إذا لم يبلغ خمس عشرة سنة، أو بلغها وكان في كنف القائم على تربيته. وتنتقل الرقابة على القاصر إلى معلمه في المدرسة أو المشرف في الحرفة، ما دام القاصر تحت إشراف المعلم أو المشرف. وتنتقل الرقابة على الزوجة القاصر إلى زوجها أو إلى من يتولى الرقابة على الزوج.

3- ويستطيع المكلّف بالرقابة أن يخلص من المسئولية إذا أثبت أنه قام بواجب الرقابة، أو أثبت أن الضرر كان لابد واقعاً ولو قام بهذا الواجب بما ينبغي من العناية

([2]) وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأنه : “إذ أقام الحكم المطعون فيه قضاءه بمسئولية الأب عن خطأ إبنه الذى كان يبلغ تسع سنوات وقت الحادث على أساس أن الخطأ وقع في حضوره و أنه أهمل في رقابة إبنه إذ شاهده في الطريق قبل وقوع الحادث يلهو بلعبة ” النبلة ” – و هى أداة الفعل الذى سبب الضرر – دون أن يتخذ الحيطة لمنعه من ممارسة هذه اللعبة بل تركه يلهو بها مع ما في إستعمالها من خطر و قد تحقق فعلا فأصيب المطعون ضده في إحدى عينيه ، و كانت الظروف التى وقع فيها الحادث على هذه النحو تؤدى إلى ما إنتهى إليه الحكم من وصف اللعبة بأنها خطرة ما دام من شأنها – في مثل هذه الظروف – حدوث الخطر من مزاولتها ، فإن الحكم لا يكون قد أخطأ في تطبيق القانون .” ( نقض مدنى الطعن 426 لسنة 35 قضائية جلسة 23-12-1969- مجموعة أحكام النقض – س 20 ، رقم203 ، ص1303 ).

([3]) وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأنه: ” رئيس المدرسة بوصفه رقيبها الأول يلزم بتعويض الضرر الذى يحدثه القاصر للغير بعمله غير المشروع أثناء وجوده بالمدرسة ، وتقوم هذه المسئولية على خطأ مفترض لمصلحة المضرور هو الإحلال بواجب الرقابة ، ولا يستطيع رئيس المدرسة وهو مكلف بالرقابة أن يدرأ مسئوليته إلا إذا أثبت أنه قام بواجب الرقابة أو أثبت أن الضرر كان لابد واقعاً حتى ولو قام بها الواجب بما ينبغى له من حرص وعناية , ولما كانت مسئولية رئيس المدرسة لا ترتفع بمجرد اختيار مشرفين من المعلمين لملاحظة التلاميذ أثناء وجودهم بالمدرسة بل تقوم إلى جانب مسئولية هؤلاء المشرفين بناء على خطأ مفترض فى واجب الرقابة بوصفه قائماً بإدارة المدرسة ” ( نقض مدنى الطعن رقم 78 لسنة 40 قضائية جلسة 11-3-1975- مجموعة أحكام النقض – س26 ، ق111 ، ص549 ) .

([4]) راجع تكرما مقالنا بشأن : مسئولية المتبوع عن أعمال تابعه غير المشروعة .

([5]) وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأنه : ” إذا كان القاصر قد بلغ سن الرشد، فإن واجب الرقابة عليه يزول، وتنتفي تبعا لذلك مسئولية متولي الرقابة، ولما كان الحكم المطعون فيه أغفل البحث في توافر شروط قيام واجب الرقابة في حق الطاعنة (متولية الرقابة) بأن لم يستظهر سن المتهم وقت الحادث، وهو بيان جوهري حال تخلفه دون مراقبة محكمة النقض لصحة تطبيق القانون، فإنه يكون مشوبا بالقصور مما يستوجب نقضه” (نقص مدني الطعن رقم 875 لسنة 33 قضائية جلسة 2 ديسمبر سنة 1963 – مجموعة أحكام النقض – س 14، ص 869)

([6]) وبالتالي لا تقوم مسئولية من يتولى الرقابة على المجنون أو المعتوه على أساس المادة 173 من التقنين المدني المصري باعتباره متوليا الرقابة على أيهما ، وإنما تقوم على أساس المادة 163 مدني، الأمر الذي يوجب لقيام مسئوليته عند إضرار الغير بالمشمول بالرقابة كما في المثال سالف الذكر إثبات الخطأ الشخصي في جانب متولي الرقابة ، لأن خطأه في هذه الحالة غير مفترض ، كأن يثبت أقارب المجنون أو المعتوه أن متولي الرقابة قد أخطأ لتركه المجنون يسير في الطرقات دون رقابة مما أدى إلى اصطدامه في حادث السيارة ، أو يثبتوا أن متولي الرقابة قد أخطأ حينما ترك سلاحه الناري أو إحدى السكاكين ظاهرة وفي متناول أيدي المجنون أو المعتوه فخالف بذلك سلوك الشخص المعتاد الذي يخفى عادة مثل هذه الأشياء الخطرة ولا يجعلها في متناول أيدي من تحت رقابته ، فعبث بها المجنون أو المعتوه فأصاب نفسه نتيجة لذلك.

وفي هذا قضت محكمة النقض المصرية بأنه : ” المستفاد من نص المادة ١٧٣ من القانون المدني أن مسئولية متولي الرقابة مقصورة على ما يحدثه الصغير بالغير ولا تتناول ما يحدثه بنفسه أو يقع عليه من الغير.” ( نقض مدني الطعن رقم 533 لسنة 68 قضائية جلسة 15-6-1999)

([7]) حيث تنص المادة 173 فقرة 3 مدني مصري على أنه : “ويستطيع المكلف بالرقابة أن يخلص من المسئولية إذا أثبت أنه قام بواجب الرقابة أو أثبت أن الضرر كان لابد واقعا ولو قام بهذا الواجب بما ينبغي من العناية”.

([8]) إذ تنص هذه المادة على أنه : “للمسئول عن عمل الغير حق الرجوع عليه في الحدود التي يكون فيها هذا الغير مسئولا عن تعويض الضرر” ،

تعليقات فيس بوك
Sending
User Review
5 (2 votes)

عن الكاتب

محمد خالد شرف المحامي بالنقض

محامي حر ومستشار قانوني لأكثر من تسعة عشر عاما ،أنشأت هذه المدونة إثراء للمحتوى والفكر القانوني المصري والعربي على شبكة الأنترنت ،ولمساعدة زملائي المحامين وخاصة المبتدأين منهم في الوصول إلى المعلومة القانونية الصحيحة في بداية مسيرتهم المهنية.

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.