لائحة اعتراضية أمام القضاء السعودي | بطلان عقد البيع للغبن الفاحش والاستغلال | القصور في التسبيب

الصورة بواسطة Lukas من Pexels

بسم الله الرحمن الرحيم

لائحة اعتراضية

على الحكم رقم (             ) الصادر في القضية المقيدة برقم (                )

المقامة من :

ضد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موضوع الدعوى : بطلان عقد بيع

صاحب الفضيلة رئيس محكمة الاستئناف …. سلمه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد

نتقدم إليكم باعتراضنا على الحكم الصادر في الدعوى المشار إليها أعلاه ، والتي تخلص وقائعها في أن الطاعن قد أقامها ضد المطعون ضده بطلب الحكم بإبطال عقد البيع المنسوب صدوره إلى مورثه في 4/4/1435هـ متضمنا بيعه للمدعى عليه المحلات المبينة بالعقد المشار إليه ، وما تشمله تلك المحلات من الأرض المقامة عليها وعددها أحد عشر محلا ، وذلك على سند من صدور ذلك التصرف نتيجة استغلال المدعى عليه ( المشتري ) الحالة الصحية المتردية لوالده ( البائع ) ، وصدور ذلك التصرف في مرضه المتصل بالوفاة ( مرض الموت ) ، وعدم سلامة قواه الإدراكية ؛ نتيجة إصابته بمرض نفسي ” الاكتئاب ” وتعاطيه عقاقير مضادة لذلك المرض ، فضلا عن بطلان ذلك البيع لصدوره عن المدعى عليه حال كونه وكيلا لوالده في بيع كامل العقار وكالة لا تخوله سلطة البيع لنفسه .

كما أسند المدعي ( المعترض ) دعواه إلى تضمن البيع غبنا فاحشا مبطلا للعقد ؛ إذ تجاوز قيمة المبيع الحقيقة وقت إبرام البيع أكثر من مليون ريال سعودي ، بينما الثمن المثبت بالعقد هو مائة ألف ريال سعودي ، وكل ما دفع المدعى عليه منه هو مبلغ 28000 ريال ثمانية وعشرون ريال سعودي ، تم سدادها في إطار عقد آخر بينه وبين والده لا يُعلم موضوعه ؛ حيث أخفاه المدعى عليه ، وزعم أنه سدد من الثمن أربعون ألف ريال ، وأن والده قد سامحة في بقية الثمن ؛ حسب ما أدلى به في مجلس الدعوى .

وتداولت الدعوى ، وبجلسة 20-9-1438هـ اصدرت المحكمة حكمها بإسقاط الدعوى ؛ مؤسسة قضائها على انتفاء الغبن في البيع ؛ حيث جاء منطوق الحكم كالتالي :

” … ولأن ما ذكر المدعي في الدعوى لا يعد غبنا فقد أسقطت دعوى المدعي وبه حكمت ..”

أسباب الاعتراض
(السبب الأول )
القصور في التسبيب

لما كانت المحكمة قد أسست حكمها بإسقاط الدعوى على انتفاء الغبن ، واكتفت في معرض أسباب ذلك الخلاص الذي اعتمدته ركنا وحيدا لحكمها على القول : ” … فبناء على ما تقدم من الدعوى والإجابة ولإقرار المدعي أن موكلهم عرض العقار للبيع ولقلة العروض على المحلات وقت البيع ولوجود غرامة على العقار وقت البيع مما يقلل من قيمتها ولأن ما ذكره المدعي في الدعوى لا يعد غبنا فقد أسقطت دعوى المدعي وبه حكمت ..

وحيث إن الغبن في الاصطلاح الشرعي بحسب تعريفات العلماء يدل على أخذ الشيء بدون عوضه أو بنقص غير معتاد .

وقد عرفه القاضي عياض بأنه: “الْغبن فِي الْبيُوع بِسُكُون الْبَاء إذا أَخذ شَيْئه مِنْهُ بِدُونِ عوضه وَأَصله النَّقْص “[مشارق الأنوار على صحاح الآثار للقاضي عياض، 2/ 128].

كما عرَّفه الفيومي بأنه: “غَبْنٌ فَاحِشٌ إذَا جَاوَزَتْ الزِّيَادَةُ مَا يُعْتَادُ مِثْلُهُ “

[المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للفيومي، 2/ 436].

كما أن الغبن لغة هو : الْغَيْنُ، وَالْبَاءُ، وَالنُّونُ، كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفٍ وَاهْتِضَامٍ. يُقَالُ غُبِنَ الرَّجُلُ فِي بَيْعِهِ، فَهُوَ يُغْبَنُ غَبْنًا، وَذَلِكَ إِذَا اهْتُضِمَ فِيهِ. وَغَبَنَ فِي رَأْيِهِ، وَذَلِكَ إِذَا ضَعُفَ رَأْيُهُ. وَالْقِيَاسُ فِي الْكَلِمَتَيْنِ وَاحِدٌ.

[معجم مقاييس اللغة، لابن فارس، 4/ 411].

وحيث إن مدار كل التعريفات السابقة على وجود فارق بين القيمة الحقيقية للشيء موضوع العقد ، وبين العوض المدفوع فيه ، وهو الأمر يجعل من الوقوف على القيمة الحقيقة للمبيع مفترضا أساسيا يجب توافره قبل الحكم بتوافر الغبن أو انتفائه .

وحيث إن الغبن الفاحش موجبٌ لفسخ العقد  ، وأدلة ذلك :

أ  من الكتاب :

وقد استدل أصحاب هذا الرأي على صحة اجتهادهم بقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ) ( النساء :29 ) يخاطب البيان الإلهي المؤمنين موجهاً إياهم بألا يأكلوا أموال بعضهم البعض بالباطل .

و لاشك بأن الغبن هو أحد أوجه هذا الباطل المحرم أكله على المؤمنين .

ب من السنة :

(1)- عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى : (أن لا ضرر و لا ضرار ) .([1])

و لا جرم أن الغبن نوع من أنواع الضرر الذي يجب إزالته إذا وقع بكل أشكاله و درجاته .

(2)- وعن أبي أمامة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه ، حرم الله عليه الجنة ، و أوجب له النار . قالوا : و إن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله ؟ قال : و إن كان قضيباً من أراك ، و إن كان قضيباً من أراك . قالها ثلاث مرات .([2])

ووجه الاستدلال بهذا الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن من اقتطع حق امرئ مسلم مهما كانت قيمته و إن كان قضيباً من أراك فإن نصيبه النار ، و لا جرم أن الغبن من ضمن أحكام هذا الحديث .

  •  من الأثر :

روى ابن حزم عن ابن سيرين : أن رجلاً قدم المدينة بجواري فنزل على ابن عمر فذكر الحديث ، وفيه أنه باع جارية من ابن جعفر ، ثم جاء الرجل إلى ابن عمر ، فقال : يا أبا عبد الرحمن غبنت بسبعمائة درهم . فأتى ابن عمر إلى عبد الله بن جعفر، فقال : أنه غبن بسبعمائة درهم فإما أن تعطيها إياه و إما أن ترد عليه بيعه ، فقال ابن جعفر ، بل نعطيها إياه .([3])

ووجه دلالة هذا الأثر أن عبد الله بن جعفر و ابن عمر رأيا رد هذا البيع بسبب إشابته بالغبن المجرد  الذي لم يشوبه التغرير أيضاً .

عن أبي  بن كعب أن عمر بن الخطاب ، والعباس بن عبد المطلب تحاكما إليه في دار كانت للعباس إلى جانب المسجد أراد عمر أخذها ليزيدها في المسجد و أبى العباس ، فقال أبي ابن كعب لهما : لما أمر سليمان بناء بيت المقدس كانت أرضه لرجل فاشتراها سليمان منه فلما اشتراها قال له الرجل : الذي أخذت مني أم الذي أعطيتني ؟ قال سليمان : بل الذي أخذت منك ، قال : فإني لا أجيز البيع فرده ، فزاده ، ثم سأله ؟ فأخبره فأبى أن يجيزه .([4])

ووجه الاستدلال بهذا الأثر أن الغبن المجرد موجب لفسخ العقد على الرغم من عدم اقترافه بأي تغرير .

د من المعقول :

أن الغبن ظلم و الله قد حرم الظلم على نفسه و جعله محرماً بين عباده ؛ فعن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، عن الله تبارك  و تعالى قال :  يا عبادي ! إني قد حرمت الظلم على نفسي ،  و جعلته محرما بينكم فلا تظالموا .([5])

فالشريعة الإسلامية حاربت الظلم بكل أنواعه و أشكاله و جعلته محرماً بين العباد ، و الغبن هو إحدى الأشكال التي حاربها الإسلام ، فدعا المتعاقدين إلى عدم أكل أموال بعضهم البعض إلا عن تراض .

قال تعالى : “ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ” ( النساء : 29 ) .

ولما كانت المحكمة قد قدَّرت انتفاء الغبن دون أن تبين في حكمها الأسس الموضوعية التي استخلصت منها تلك النتيجة ؛ ودون أن تقف على القيمة الحقيقة للعقار موضوع البيع ، ودون أن تجري التحقيق اللازم للوقوف على تلك القيمة بحسب القواعد المبينة في نظام المرافعات الشرعية ، وهو الأمر الضروري للوقوف على ما إذا كانت الغرامة المفروضة على العقار تنال من قيمته ، ودون أن تجيب على دفاع المدعي بأن قيمة العقار تجاوز في مقدارها المليون ريال سعودي ، بل وأشاحت بوجهها عنه ، رغم كونه واقعا مسطورا بأوراق الدعوى ، ومطروحا عليها بما يوجب عليها تحقيقه بلوغا إلى غاية الأمر فيه ؛ وإذ هي لم تفعل ، واكتفت في ردها على الدعوى برد مبتسر قاصر لا يقوى على حمل ما انتهت إليه من قضاء ؛ فإن حكمها يكون قاصر التسبيب قصورا مبطلا .

(السبب الثاني )
عدم إجابة المحكمة على دعوى المدعي ببطلان العقد للاستغلال

لما كان المدعي قد أقام دعواه بإبطال العقد على سببين :

أولهما : استغلال المدعى عليه الحالة المرضية لوالده ، وإصابته بأمراض الشيخوخة وما يلازمها من أعراض النسيان ، والخلل في الإدراك ، فضلا عن مرضه بالاكتئاب النفسي ، على النحو المفصل بلائحة الدعوى .

وثانيهما : الغبن الفاحش في قيمة ثمن المبيع على النحو المبين بلائحة افتتاح الدعوى الأصلية ، وبهذه اللائحة .

وحيث إن المحكمة قد اكتفت في معرض ردها على الدعوى بالفصل في دعوى المدعي بإبطال العقد للغبن ، وانتهت إلى القضاء بانتفائه بحسب مدونات الحكم ، ودون أن تشير من قريب أو من بعيد إلى دفاع المدعي بتوافر موجب بطلان العقد من توافر حالة استغلال الحالة الصحية للوالد ، وما صاحبها من شبه انعدام للإرادة الواعية التي هي أحد أهم أركان انعقاد العقد ، ودون أن تناقش ما ساقه المدعي من دلائل وقرائن على توافر حالة الاستغلال تلك على النحو المبسوط بلائحة الدعوى ، وسائر الأوراق ، على الرغم من كون تلك الأسباب مطروحة على المحكمة بما يوجب عليها تحقيقها بلوغا إلى غاية الأمر فيها ، وإتاحة الفرصة للمدعي بأن يقيم الدليل عليها ، وإذ هي لم تفعل ؛ فإن حكمها يكون قد صدر مشوبا بالبطلان .

الطلبات

بناء على ما تقدم نلتمس من فضيلتكم :

(1)- نقض الحكم المعترض عليه .

(2)- الحكم مجددا : برد عقد البيع المؤرخ 4-4-1435هـ والقضاء ببطلانه للغبن الفاحش والاستغلال .

والله يحفظكم ويرعاكم

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ،،،

المستأنف


(1) – سنن ابن ماجه ، كتاب الأحكام – باب ذكر القضاة –برقم 2340 وقال عنه الشيخ ناصر الدين حديث صحيح .

(2) – رواه مالك في الموطأ، ص 399. و قال عنه الشيخ ناصر الدين الألباني حديث صحيح ( صحيح الترغيب و الترهيب ، كتاب البيوع ) .

(3)  – المحلى لابن حزم ، ج8 ص 441.

(4)- المحلى لابن حزم ، ج8 ص 441.

(5)- صحيح الأدب المفرد ،  377/490 ( صححه الألباني رحمه الله ) .

تعليقات فيس بوك
Sending
User Review
5 (1 vote)

عن الكاتب

محمد خالد شرف المحامي بالنقض

محامي حر ومستشار قانوني لأكثر من تسعة عشر عاما ،أنشأت هذه المدونة إثراء للمحتوى والفكر القانوني المصري والعربي على شبكة الأنترنت ،ولمساعدة زملائي المحامين وخاصة المبتدأين منهم في الوصول إلى المعلومة القانونية الصحيحة في بداية مسيرتهم المهنية.

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.