سلطة القاضي في تعديل العقد | نظرية الظروف الطارئة

الصورة بواسطة Sora Shimazaki من Pexels

سلطة القاضي في تعديل العقد | نظرية الظروف الطارئة

      مما لا شك فيه أن العقد ليس ملزما للعاقدين فحسب ، بل ويعد ملزماً للقاضي أيضاً ، الذي يجب عليه أن ينزله بين العاقدين منزلة القانون ، فيحتكم إلى نصوصه وبنوده دون أي مساس بها بهدف التعديل لإنصاف أحد الطرفين على حساب الآخر، حتى وإن بدا على نصوص هذا العقد وبنوده بعض مظاهر الظلم أو عدم التوازن بين التزامات طرفي العقد .

      وفي ظلال روح الفكر الفردي التي هيمنت على نصوص التقنينات المدنية المصرية القديمة (التقنينات المختلطة التي صدرت في عام 1875، والتقنينات الأهلية أو الوطنية التي صدرت عام 1883) ساد في مجال التعامل بين الأفراد مبدأ سلطان الإرادة، فحظي الأفراد بحرية مطلقة في إنشاء العقود و ترتيب آثارها، دون أن يسمح للقاضي بأي حق في التدخل لتعديل بعض شروط هذه العقود أو الحد من مظاهر التعسف فيها أو لمنع استغلال بعض أطرافها للبعض الآخر، على أساس أن العدل بين أطراف العقود سيتحقق فيما بينهم بصورة تلقائية في ظل مبدأ المساواة و مبدأ تكافؤ الفرص، دون حاجة إلى تدخل الدولة ممثلة في سلطتها القضائية لتوزيع العدل بين أطراف العقود، ودفع مظاهر الاستغلال أو التعسف المحتمل فيها .

      بيدا أن هذه النزعة الفردية المتطرفة لم تدم طويلا في القانون المصري ، حيث جاءت النزعة الاجتماعية تدك أوصال الفكر الفردي المتطرف في مستهل القرن العشرين، وبدأ واضع القانون المصري يتأثر ببعض الأفكار الاشتراكية التي تدعو الدول إلى التدخل في مجال العقود للحد من طغيان سلطان الإرادة و التخفيف من آثار طلاقة حرية هذه الإرادة ، فجاءت نصوص التقنين المدني المصري الجديد متخلية عن كثير من مبادئ الفكر الفردي، وآخذة في الوقت نفسه بمفهوم العدالة الاجتماعية La justice sociale  الذي يعتنقه الفكر الاشتراكي، فأورد بعض القيود التي تحد من سلطان الإرادة وتخفف من غلواء آثاره ونتائجه في مجال التعامل، نذكر منها على سبيل البيان والتمثيل، لا الحصر والتعيين ما يلي :-

1- لم يسمح التقنين المدني الجديد للأفراد بالتعسف في استعمال حقوقهم، وأوجب عليهم استعمالها استعمالا مشروعا يخلو من مقاصد الإضرار بغيرهم (م5، مدني مصري) ([1]) .

2- أجاز للقاضي التدخل بناء على طلب المتعاقد المغبون ليبطل العقد أو أن ينقص التزامات هذا المتعاقد المغبون متى كانت التزاماته لا تتناسب البتـة مع التزامات المتعاقد الآخر أو مع ما حصل عليه هذا المتعاقد من منفعة بسبب العقد،و تبين أمام القاضي أن المتعاقد المغبون لم يبرم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشا بيِّناً أو هوى جامحاً (م129 مدني مصري ، ).

3- رخص القانون للقاضي أن يتدخل في عقود الإذعان ليعفى المتعاقد المذعن من الشروط التعسفية الواردة فيها أو يعدل فيها، بحسب ما تقتضيه فكرة العدالة ، ولم يكتف بذلك بل أبطل كل اتفاق بين أطراف هذه العقود على حرمان القاضي من هذا التدخل(م 149 مدني مصري ).

4- لم يشأ واضع القانون أن يتقبل فكرة العدل الخاص (التي كان يعتنقها أنصار المذهب الفردي فيرون أن العدل يتحقق بين طرفي العقد بصورة تلقائية لأن كل عاقد سوف يسعى لتحقيق مصلحته الخاصة ولن يعمل ضدها ، ومن ثم فإن ما يعقده العاقدان عقدا هو العدل بعينه) فيوجب على العاقد تنفيذ التزاماته العقدية رغم ما يطرأ بعد العقد و قبل التنفيذ من ظروف استثنائية عامة غير متوقعة لا يمكن دفعها، على نحو يلحق به خسارة فادحة من جرائها، بل جعل من سلطة القاضي بناء على طلب هذا المتعاقد أن يتدخل ليرد التزاماته إلى الحد المعقول (م 147 /2 مدني مصري ) ، على ما سوف نرى بصورة تفصيلية من خلال عرضنا لنظرية الظروف الطارئة وأثرها في العقد .

نظرية الظروف الطارئة
Théorie de l’imprévision

      لا شك في أن إبرام العقود من جانب الأفراد لا يتم بمنأى عن الظروف الاقتصادية المعاصرة لها، حيث يعمد كل عاقد قبل إبرام العقد إلى إجراء موازنة حسابية سريعة على ضوء الظروف ليعرف مدى ما يحققه له العقد من مصلحة مقارنة بالأداء الذي سيبذله في هذا العقد في مواجهة العاقد الآخر.

      وعادة ما يتم تنفيذ العقد من جانب طرفي العقد دون أدني مشكلة تذكر إذا لم يطرأ في الفترة ما بين إبرام العقد و تنفيذه أي تغيير بشأن الظروف الاقتصادية التي صاحبت تلاقي إرادتي طرفي العقد أو طرأ فيها تغير طفيف لم يحدث من جرائه اختلال فادح في التوازن العقدي لالتزامات العاقدين.

      بيد أن المشكلة تثور إذا نجم عن تغير الظروف الاقتصادية المعاصرة للعقد أن صار تنفيذ التزام أحد العاقدين لالتزاماته في العقد – وإن لم يكن مستحيلا – مرهقا بحيث تتهدده من جرائه خسارة فادحة، فيختل التوازن العقدي L’équilibre contractuel اختلالا فادحا، لا سيما وأن هذا التغير كان نتيجة لحدوث ظروف استثنائية عامة غير متوقعة، وليس في مقدور العاقد دفعها، فهل نلزمه بالتنفيذ رغم ذلك مراعاة للقوة الملزمة للعقد فنحمل العاقد تبعة التغير الذي طرأ على التزاماته بعد العقد و قبل تنفيذه دون أن يكون لإرادته أي دخل في الظروف التي أدت إلى هذا التغير، فنتنكر بذلك لفكرة العدالة التي تستنكر أن يثرى أحد العاقدين على حساب العاقد الآخر الذي حدثت له مثل هذه الظروف، أم أنه من الأفضل تدعيما لفكرة العدالة و إرساء للقيم الأخلاقية في مجال العقود، أن يرخص لمثل هذا العاقد أن يلجأ إلى القضاء للحد من آثار الاختلال الفادح بين التزاماته والتزامات العاقد الآخر، فيحقق قدرا من التوازن المعقول بين التزاماتهما، مثال ذلك أن يتعاقد شخص مع مقاول على أن يشيد له بناية مكونة من عشرة طوابق مقابل مبلغ معين، في ظل ظروف اقتصادية مستقرة (وأعنى بذلك الظروف الخاصة بمواد البناء ومستلزمات تشييد تلك البناية)، ثم بعد أن تم العقد وقبل التنفيذ أو أثناء أجرائه يصدر قرار عام من الدولة بوقف استيراد بعض مواد البناء فترتفع على إثره أسعار مواد البناء الموجودة بالسوق المحلي ارتفاعا خياليا، مما يؤدي إلى إلحاق خسارة فادحة بالمقاول لو ألزمناه بالاستمرار في تنفيذ التزامه بتشييد البناية في ظل هذه الظروف الجديدة، لا سيما و أنه لا دخل له في حدوث هذه الظروف الجديدة التي طرأت بعد العقد، فيكون من مقتضى فكرة العدالة أن يسمح القانون للقاضي بناء على طلب المقاول بالتدخل لرد الاختلال في التوازن العقدي إلى الحد المعقول.

شروط تطبيق نظرية الظروف الطارئة :

      يستفاد من نصوص القانون أنه يلزم لكي يرخص للقاضي بالتدخل في العقد للتعديل في التزامات أحد العاقدين أو كليهما ليرد الاختلال الفادح الذي حدث من الظروف الطارئة إلى الحد المعقول أن تتوافر الشروط الآتية ([2]) :

1 – الشرط الأول : أن تطرأ الظروف الطارئة بعد إبرام العقد و قبل تمام تنفيذه :

      وهذا شرط منطقي لأن أي تغيير في الظروف الاقتصادية الخاصة بموضوع العقد لا أثر له إذا كان مصاحباً للحظة إبرام العقد أو سابقاً عليها ، حيث يفترض علم العاقدين بهذا التغير وإدخالهما إياه في الحسبان عند التعاقد ، وبالتالي لا يصدق عليه وصف الظرف الطارئ الذي يؤثر على العقد ، وإن كان هذا لا يمنع أي عاقد كان يجهل وجود هذا التغير لتوهمه عدم وجوده أو لإخفاء العاقد الآخر لوجوده أن يتمسك ببطلان العقد لتعيب رضائه بعيب الغلط أو التدليس متى توافرت شروط التمسك بالبطلان الخاصة به ([3]) .

      كما أنه لا أثر للظروف الطارئة التي تحدث بعد تنفيذ العقد ، ولو ترتب عليها ثراء أحد العاقدين من جراء حدوثها، لأنه من غير الجائز قانونا إعادة النظر فيما تم تنفيذه من العقود، لما في ذلك من إهدار لاستقرار المعاملات بين الأفراد بعد تمامها، و ذلك شريطة أن يكون التنفيذ قد تم بصورة كاملة ، ذلك لأنه إذا تم التنفيذ بصورة جزئية ، فليس ثمة مانع قانوني يحول دون تطبيق نظرية الظروف الطارئة فيما تبقى من أجزاء الالتزام ، كما لو كان المقاول قد بنى عددا من طوابق العمارة وبقيت بعض الطوابق لم يتمها بعد ثم ارتفعت أسعار مواد البناء ارتفاعا فاحشا  بحيث يتهدد بخسارة فادحة من جراء ذلك إن ألزمناه بتكملة البناء دون أن نسمح للقاضي بالتدخل لتعديل العقد وتحقيق التوازن المعقول L’équilibre raisonnable بين التزاماته والتزامات صاحب العمارة([4]).

      وبالتالي يلزم أن تطرأ الظروف الطارئة بعد إبرام العقد وقبل تمام التنفيذ وهذا يحدث عادة في العقود متراخية التنفيذ، سواء أكان هذا التراخي راجعا إلى طبيعة هذه العقود باعتبارها عقودا زمنية (سواء كانت مستمرة التنفيذ كعقد الإيجار أو دورية التنفيذ كعقد التوريد) يلعب الزمن دورا أساسيا في تحديد مدى التزامات العاقدين، أم كان راجعا إلى اتفاق طرفي العقد على أن يتراخى تنفيذ التزاماتهما أو التزامات أحدهما بعض الوقت بعد إبرام العقد ([5]) .

      ويميل جانب من الفقه والقضاء إلى عدم تطبيق أحكام نظرية الظروف الطارئة إذا كان تراخي التنفيذ في العقد يرجع إلى فعل المدين أوخطئه (بمعنى أن العقد يكون فوري التنفيذ و لم يتفق العاقدان على تأجيل تنفيذه و يتأخر المدين في تنفيذ التزاماته تقصيرا منه) ([6]) .

      غير أن المنطق القانوني السليم يقتضي عدم حرمان المدين من تطبيق أحكام هذه النظرية متى توافرت في حقه كافة شروطها، حتى وإن تأخر لتقصير منه في تنفيذ الالتزام حتى وقعت هذه الظروف، ما دام أن الدائن لم يتضرر من هذا التأخير بشكل قانوني (كما لو أنه لم يرفع عليه دعوى قضائية يطالبه فيها بتنفيذ التزاماته العقدية)، إذ قد يحمل المدين سكوت الدائن عن مطالبته بالتنفيذ رغم تأخره فيه على التسامح منه لذلك ، لا سيما إذا كان تأخير المدين مبرراً بأسباب سائغة ومقبولة .

      ويرى البعض عدم تطبيق أحكام نظرية الظروف الطارئة على العقود الاحتمالية، على أساس أنها بطبيعتها تعرض كلا من العاقدين لاحتمالات الكسب الكبير أو الخسارة الفادحة ([7]) ، إلا أن ذلك يجافي العدالة والمنطق القانوني السليم لسببين:

أولهما: أنه يتضمن تخصيصا لعموم النص القانوني الذي يجيز تطبيق أحكام هذه النظرية على كافة العقود أيا كانت طبيعتها من غير وجود مخصص قانوني لهذا العموم.

وثانيهما: أنه من المتصور أن يؤدي استبعاد تطبيق أحكام هذه النظرية في العقود الاحتمالية على نحو مطلق إلى التنكر لأبسط قواعد العدالة في مجال التعامل ، فلو تصورنا جدلاً أن إحدى شركات التأمين الكائنة في بلد معين قد أبرمت عقود تأمين على الحياة لعدد من سكان منطقة معينة ثم حدثت بعد العقد كارثة كبيرة كحرب أو فيضان أو زلزال، فان إجبارها على تنفيذ مقتضى العقود التي أبرمتها دون السماح بتطبيق أحكام نظرية الظروف الطارئة بناء على طلبها سوف يؤدى حتما إلى فناء هذه الشركة وزوالها، وفي النهاية سوف تعجز عن تنفيذ التزاماتها العقدية مع المستفيدين من عقود التأمين.

2 – الشرط الثاني : أن تكون ظروفا استثنائية عامـة غـير متوقعة ولا يمكن دفعها :

      حيث يلزم في الظروف التي تطرأ بعد التعاقد وقبل التنفيذ أن تكون ظروفا استثنائية Circonstances exceptionnelles، أي ظروفا غير مألوفة الحدوث كحدوث حرب مفاجئة داخلية أو خارجية أو حدوث إضراب عام مفاجئ أو وقوع الزلازل في منطقة لا تقع فيها الزلازل عادة ، أما إذا كان الحدث مألوفا فلا يعد ظرفا استثنائياً كحدوث زلزال في منطقة معرضة عادة للزلازل أو هطول الأمطار في منطقة معرضة عادة لسقوط الأمطار أو ارتفاع درجة الحرارة في بلد قريب من منطقة خط الاستواء……..الخ.

      ولا يكفي أن يكون الحدث استثنائياً لتطبيق أحكام هذه النظرية، بل يلزم أن يكون عاماً Général ، بحيث يشمل المدين وغيره من الناس الذين في نفس ظروفه ، كإضراب عام بين العمال في المصانع وليس بين مجرد عمال مصنع المدين وحده أو حدوث وباء عام أفسد المحاصيل الزراعية في منطقة معينة، وليس مجرد وباء خاص أصاب محاصيل المدين وحده ، وقد قصد من إضفاء وصف العمومية في الظرف الاستثنائي استبعاد الظروف الاستثنائية الخاصة بالمدين، وإلا تعلل المدين في كل مرة بظروفه الخاصة للمطالبة بتطبيق أحكام هذه النظرية، وبالتالي ليس للمدين أن يتعلل بإضراب عماله  أو شهر إعساره أو إفلاسه أوتعطل سياراته أو انقطاع التيار الكهربائي عن مصنعه.

      كما يلزم في الحدث أن يكون غير متوقع Imprévisible وقت إبرام العقد،  وهذا لا يعني بالضرورة أن يكون الحدث مستبعد الوقوع تماما، فليس ُثمة شئ مستبعد الحدوث في الحياة، ولكن يكفي فقط ألا يكون متوقعا كهبوب رياح عاصفة في بلد لا تحدث فيها هذه الرياح أوسقوط أمطار غريرة في بلد لا تسقط فيها الأمطار عادة، أو ارتفاع درجة الحرارة في بلد قريب من القطب الشمالي ([8]) .

      كما ينبغي في الحدث كظرف طارئ ألا يكون في وسـع المدين دفعه Irrésistible ، بمعنى ألا يكون في مقدور المدين أن يتفادي نتائجه وآثـاره ، ذلك أن المديـن ملتزم ببذل قصارى جهده في تنفيذ التزامه وألا يدخر وسعه في أن يتوقى أي عقبات تحول دونه والقيام بهذا التنفيذ، بحيث إذا ثبت تقصيره وفقا لمعيار الشخص المعتاد، لم يجز له التحصن بكون الظرف ظرفا طارئا استثنائيا عاما غير متوقع الحدوث، مادام قد ثبت أنه كان في مقدوره تفادي آثاره ونتائجه، فمثلا لو تصورنا أن شخصا قد تعهد بتوريد كمية من القمح لآخر وكانا يسكنان في محافظة معينة فسد فيها كل محصول القمح لحدوث وباء عام أفسد محصول القمح في كل أراضي المحافظة، مثل هذا الحدث وإن ثبت أنه حدث استثنائي عام غير متوقع لا يعد ظرفا طارئا، حيث إنه بمقدور المدين توقي نتائجه بالحصول على القمح من محافظة أخرى لم تتعرض لهذا الوباء ([9]) .

3 – الشرط الثالث : أن يصير تنفيذ المدين لالتزامه مرهقا لا مستحيلا :

      ذلك أن الحدث الذي يطرأ بعد العقد وقبل التنفيذ ويكون من شأنه أن يؤدي إلى الاستحالة المطلقة لتنفيذ العقد L’impossibilité absolue de l’exécution du contrat ، لا يصدق عليه وصف الظرف الطارئ الذي يرخص للقاضي بالتدخل للتعديل في العقد، و إنما يصدق عليه وصف القوة القاهرة La force majeure  التي تؤدي إلى انفساخ العقد بقوة القانون وزوال كافة الآثار التي تولدت عنه بأثر رجعي.

      وبالتالي يلزم في هذا الحدث أن يجعل تنفيذ المدين لالتزامه مرهقا غير مستحيل ، بحيث يكون في إمكان المدين تنفيذ التزامه العقدي رغم وجود هذا الحـدث ، غايـة ما هنالك أنـه سـيتكبد خسـارة فادحة Un dommage lourd ou grave من جراء هذا التنفيذ بعد أن أختل التوازن العقدي بين التزاماته والتزامات الدائن نتيجة لهذا الحدث الطارئ، فلا يكفي مجرد أن يصير التزامه أكثر كلفة أو يلحقه بخسارة بسيطة أومعتادة Un dommage simple ou ordiniaire جرى التعامل على التسامح بشأنها، كمجرد حدوث ارتفاع بسيط في الأسعار مثلا أو هطول الأمطار الغزيرة على نحو لم يضر بمحاصيل الزراعة إلا في حدود طفيفة.

      ويقـاس مدى الإرهاق الذي يلحق بالمدين وفقا لمعيار موضوعي لا شخصي ، في خصوص الصفقة موضوع التعاقد، بحيث يتحقق الإرهاق في جانب المدين إذا كان تنفيذ هذا الالتزام يؤدي إلى إلحاق الشخص المعتاد بخسارة فادحة، بغض النظر عن الظروف الشخصية للمدين، أي حتى ولو كان المدين ثريا لا تتأثر ذمته بالخسارة التي تنجم عن تنفيذه لالتزامه مع وجود هذا الظرف الطارئ، فمثلا إذا التزم مقاول ببناء عمارة لآخر وارتفعت أسعار مواد البناء ارتفاعا فاحشا بعد إبرام العقد وقبل التنفيذ نتيجة لصدور قرار من الدولة بوقف استيراد مواد البناء، يعتبر هذا الحدث مرهقا للمقاول وفقا لمعيار الشخص المعتاد ، حتى وإن ثبت أن المقاول لثرائه الكبير أو لكونه يجمع في مخازنه كميات طائلة من مواد البناء لا تجعله يتأثر وفقا للمعيار للشخصي بطروء مثل هذا الحدث ([10]) .

      وبالتالي فإنه متى أضحى تنفيذ المدين لالتزامه مرهقاً بحيث يهدده بخسارة فادحة وفق معيار موضوعي، أمكنه الاستفادة من أحكام نظرية الظروف الطارئة، أيا كان مركزه المالي (أي سواء أكان غنياً أم فقيراً)، وبصرف النظر عن كونه شخصا طبيعيا أو شخصيا معنويا (وسواء أكان هذا الشخص المعنوي عاما أم خاصا )، وبالتالـــي يمكن للدولة أن تتمسك بأحكام هذه النظرية إذا كان تنفيذها للالتزام مرهقا يهددها بخسارة فادحة بحسب معيار الشخص المعتاد،رغم ملاءة الدولة وعدم تأثرها بأي خسارة فادحة تلحق بها بسبب العقد ([11]) .

أثر توافر شروط نظرية الظروف الطارئة :

      إذا توافرت الشروط الثلاثة سالفة الذكر، جاز للقاضي أن يتدخل بناء على طلب المدين، ليرد التزاماته المرهقة إلى الحد المعقول، ليخفف عنه جسامة أو فداحة الخسارة التي كانت ستنزل به لو أنه نفذ التزامه في ظل الظروف الطارئة بأوصافها سالفة الذكر.

      ومما تجدر ملاحظته أن القانون قد منح القاضي سلطة واسعة في رد الالتزام المرهق للمدين إلى الحد المعقول على ضوء موازنته بين مصلحة الطرفين في العقد، مما يسمح له بكافة الخيارات التي يراها محققة لتلك الغاية، وبالتالي فهو يملك أن يقضي بأحد هذه الخيارات الآتية :

1 – إنقاص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول :

      قد يحكم القاضي بإنقاص الالتزام عن المدين ليدفع عنه فداحة الخسارة التي حاقت به من جراء الظروف الطارئة، وينزل بها إلى الحد المعقول الذي يراه متفقا مع العقل (فهو لا يتدخل لإزالة كل خسارة عن كاهل المدين ، و يلقي بها على عاتق الدائن ، وإنما يتدخل لمجرد الحد من سوء آثار الخسارة التي تهدد المدين من جراء تنفيذ الالتزام بعد حدوث الظروف الطارئة) ، فلو افترضنا مثلا أن موردا للحديد والصلب اتفق معه آخر على أن يورد له كمية من الحديد بسعر معين، ثم بعد إبرام العقد وقبل تنفيذه ارتفعت أسعار الحديد ارتفاعا فاحشا بسبب صدور قرار حكومي بوقف عملية استيراده من الخارج ، حيث يمكن للقاضي أن ينقص الكمية الملتزم بأدائها في مواجهة المتعاقد الآخر، كما لو تصورنا أنه كان ملتزما بمائة طن مقابل ألف دينار، فيمكن أن ينقص هذه الكمية إلى ثمانين أو سبعين طنا حسب ما يراه محققا للعدالة ومتفقا مع العقل.

2 – زيادة الالتزام المقابل للالتزام المرهق :

          قد يترائى للقاضي أفضلية الالتجاء إلى زيادة التزامات الدائن بدلا من إنقاص التزامات المدين، فيقوم مثلا كما في المثال السابق بزيادة سعر طن الحديد بدلا من إنقاص الكمية التي يلتزم مورد الحديد بتسليمها إلى المتعاقد الآخر، بحيث يحد من أثر الظروف الطارئة فلا يتحملها المدين وحده ولكن يشاركه في ذلك الدائن.

3 – وقف تنفيذ الالتزام المرهق :

      قد يترائى للقاضي عدم الحاجة إلى الحكم بأحد الخيارين السابقين، فلا يقضى بإنقاص الالتزام المرهق ولا بزيادة الالتزام المقابل له، ولكن يكتفي بوقف تنفيذ هذا الالتزام المرهق لفترة محددة، وذلك إذا قدر القاضي أن الظروف الطارئة التي أدت إلى جعل التزام المدين مرهقا، ظروف عارضة ومؤقتة Circonstances précaires، وأنها ستزول خلال فترة غير بعيده، بحيث يلتزم المدين بعد زوالها بتنفيذ العقد وفقا لشروطه الواردة به، دون أي اعتبار للظروف الطارئـة التـي حدثت ، لا سيما وأنه قد تلاشى وجودها.

      ويراعي أن أحكام نظرية الظروف الطارئة تتعلق بالنظام العام L’ordre publice فلا يجوز الاتفاق على مخالفتها ، سواء أكان الاتفاق قبل وقوع هذه الظروف الطارئة أم بعد وقوعها وإن كان من الفقه من يرى قصر حظر الاتفاق على ما يحدث منه قبل وقوع هذه الظروف ، أما الاتفاق على استبعاد تطبيق أحكام هذه النظرية بعد وقوعها فهو جائز حيث لا تشوبه في هذه الحالة شبهة الضغط على إرادة المدين، و بالتالي يعد من قبيل الصلح الجائز قانوناً ([12]) .


([1]) تنص المادة 5 من التقنين المدني المصري على أن : ” يكون استعمال الحق غير مشروع في الأحوال الآتية:

(أ) إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير.

(ب) إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية، بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها.

(ج) إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة.”

([2]) حيث تنص المادة 147 مدني مصري على أنه :”1- العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين، أو للأسباب التي يقررها القانون.

2- ومع ذلك إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي، وإن لم يصبح مستحيلاً، صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة، جاز للقاضي تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يردّ الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك.”.

ومما تجدر ملاحظته أن هذا النص نص مستحدث في التقنين المدني المصري الجديد، و لذلك كان القضاء المصري قديما يرفض المساس بالعقد رغم الظروف الطارئة التي تحدث اختلالا في التوازن العقدي، لا على أساس عدم اقتناعه بعدالة الأخذ بمقتضى نظرية الطارئة، ولكن على أساس غياب النص التشريعي الذي يخول له صراحة سلطة المساس بالقوة الملزمة للعقد.

([3]) انظر في نفس المعنى: أ.د/ حمدي عبد الرحمن ص 480، هامش 3 .

([4]) انظر في نفس المعنى:أ.د/ محمد إبراهيم دسوقي بند 145،ص165، هامش 1 .

([5]) انظر نفس المعنى : أ.د/ علي نجيدة ص 233 ، 234 ، والأحكام القضائية التـي أشار إليها .

([6]) د / عبد الرزاق السنهوري ص 869 ، هامش 1 ، أ.د / محمد إبراهيم دسوقي بند 145 ، ص 166،أ.د/على نجيدة ص 234.

([7]) أ.د/ محمد إبراهيم دسوقي بند 145،ص 166،أ.د/علي نجيدة ص235.

([8]) و ينبغي لفت الانتباه إلي أن الحدث قد يكون حدثا استثنائيا غير مألوف و لكنه رغم ذلك يعد حدثا متوقعا مما لا يجوز معه التمسك بهذه النظرية، فحدوث الزلازل في منطقة غير معرضة أصلا للهزات الأرضية يعد حدثا استثنائيا غير مألوف، ورغم  ذلك قد يكون متوقعا بناء على التوقعات التي سبق أن أعلن عنها خبراء الزلازل في هذه المنطقة، و ارتفاع درجة الحرارة في إحدى دول القطب الشمالي يعد حدثا استثنائيا و لكنه قد يكون متوقعا بناء على توقعات خبراء الأرصاد الجوية المعلنة للناس.

([9]) انظر في هذا المعنى: أ.د/ حمدي عبد الرحمن ص 494، أ.د/ محمد إبراهيم دسوقي بند 145، ص167.

([10]) وينبغي أن يراعي أن هذا المقاول لو كان قد قام بتخزين مواد البناء في مخازنه لأنه كان يتوقع صدور مثل هذا القرار من الدولة، فإنه في هذه الحالة لا يجوز له أن يتمسك بأحكام نظرية الظروف الطارئة، ليس على أساس أن تنفيذ الالتزام يعد غير مرهق له، فهو مرهق وفقا لمعيار الشخص المعتاد، ولكن على أساس أن هذا الحدث يعد حدثا متوقعا بالنسبة له، وليس للمدين أن يحتج بأي حدث يطرأ له بعد العقد إلا إذا كان حدثا غير متوقع (أنظر في نفس هذا المعنى أ.د/سمير تناغو بند 129، ص 13).

([11]) انظر في المعنى:أ.د/ حمدي عبد الرحمن ص 495، أ.د/ سمير تناغو بند 129، ص163.

([12]) . أ.د/عبد المنعم البدراوي فقرة 318، ص 410.

تعليقات فيس بوك
Sending
User Review
5 (1 vote)

عن الكاتب

محمد خالد شرف المحامي بالنقض

محامي حر ومستشار قانوني لأكثر من تسعة عشر عاما ،أنشأت هذه المدونة إثراء للمحتوى والفكر القانوني المصري والعربي على شبكة الأنترنت ،ولمساعدة زملائي المحامين وخاصة المبتدأين منهم في الوصول إلى المعلومة القانونية الصحيحة في بداية مسيرتهم المهنية.

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.