جرائم التأثير على العدالة بطريق النشر أثناء المحاكمة الجزائية في القانون الإماراتي

الصورة بواسطة Daria Shevtsova من Pexels

جرائم التأثير على العدالة بطريق النشر أثناء المحاكمة الجزائية في القانون الإماراتي

حرص المشرع الإماراتي على إدراج نصوص خاصة في تشريعاته تجرم نشر أية معلومات أو أخبار تتعلق بالقضاء أو القضايا المنظورة أمامه التي يفترض الحفاظ على سريتها أو التي من شانها التأثير سلبا على سير العدالة لذا فإن هذه الدراسة سوف تركز على المواجهة التشريعية في دولة الإمارات العربية المتحدة لجرائم التأثير على سير العدالة خلال مرحلة المحاكمة.

ونحن نهدف من خلال هذا المقال إلى معرفة مدى حماية القانون الإماراتي لتحقيق العدالة والاستقرار والأمن للفرد في المجتمع وحمايته ، ومدى التوازن بين القيود التي وضعها القانون لتحقيق تلك الغايات وبين حرية الصحافة ، وحق المجتمع والرأي العام الإماراتي في الوصول إلى المعلومات ، وبين حق المتهم الذي يتناوله النشر في عدم المساس بشرفة واعتباره ؛ إذ يعد بريئا إلى حين إدانته بحكم قضائي بات.

وترجع أهمية بحث الموضوع إلى الأهمية الكبرى التي يمثلها تحقيق العدالة في أي مجتمع من المجتمعات، الذي سيصيبه خلل كبير إذا ما اختلت موازين العدل فيه الأمر الذي سيؤدي إلى  انهيار كافة المنظومات الأخلاقية والاجتماعية والأمنية والاقتصادية وغيرها.

ولعل سبب اختيار هذا الموضوع هو التقدم الهائل في وسائل الاتصالات الحديثة وما وفرته من سرعة انتشار المعلومات بشكل واسع بين كافة أفراد المجتمع وحتى بين المجتمعات والدول المختلفة، بالإضافة إلى ازدياد الاهتمام بالصحافة واتساع نطاق حريتها، الأمر الذي قد ينجم عنه نشر معلومات وأخبار تؤثر على سير العدالة تأثيرا سلبيا.

وتكمن إشكالية هذا الموضوع في وجود صراع بين حرية النشر والصحافة ومبدأ علنية إجراءات التقاضي من جهة ، وبين السرية المطلوبة لضمان تحقيق العدالة بعيداً عن أي تأثير عليها من جهة أخرى ، ومدى كفاية النصوص القانونية التي تكفل ذلك ، وما إذا كانت تحقق التوازن المنشود.

ونحن نسعى من خلال هذا المقال إلىوصف وتحليل موضوع جرائم التأثير على العدالة والإساءة إليها من الجانب القانوني ، وذلك استنادا إلى الفصل الثاني من الباب الثالث من المرسوم بقانون اتحادي رقم 3 لسنة 1987م بشأن إصدار قانون العقوبات الإماراتي الاتحادي، كما سوف تشير هذه الدراسة إلى بعض التشريعات والقرارات الأخرى المرتبطة ومنها المرسوم بقانون رقم 15 لسنة 1980م بشأن المطبوعات والنشر بتعديلاته.

أولا
(مبدأ علانية جلسات المحاكمة )

العلانية – خلافا للسرية – وهي الجهر بالشيء، وتعميمه وإظهاره([1])وتقوم العلانية في جوهرها على أساس إعلان، أو إذاعة أو نشر فكرة أو خبر، أو معلومة معينة، لإحاطة الناس علما بمضمونها وهي المضمون النفسي أو قابلية وصوله إلى الآخرين([2])

والمقصود بعلانية المحاكمة ليس فقط حضور الخصوم في الدعوى الجزائية من مشتكي ومتهم و مدعي مدني ومسؤول عن الحقوق المدنية و وكلائهم فهذا أمر لا نزاع فيه وإن قررت المحكمة سرية المحاكمة، وإنما المقصود بالعلانية هو أن تعقد المحكمة جلساتها في مكان يستطيع أي فرد من الجمهور دخوله و حضور إجراءات المحاكمة ، و مشاهدتها دون قيد ٍ أو شرط إلا ما يقتضيه حفظ النظام في الجلسة، فضـلا عن السماح بنشـر مجريـات المحاكمة بواسطة طرق النشر المعروفة، إذ العلانية تقتضي ان تكون المحاكم مفتوحة الأبـواب أمام الجمهور، وأن يتاح للصحف الوقوف على مجريات المحاكمات و نشرها.

وقد أوجب المشرع الإماراتي علانية جلسات المحاكمة صراحة فنصت المادة (161) من قانون الإجراءات الجزائية الاتحادي على أن :

“يجب أن تكون الجلسة علنية، ويجوز للمحكمة مع ذلك مراعاة للنظام العام، أو محافظة على الآداب، أن تأمر بسماع الدعوى كلها أو بعضها في جلسة سرية أو أن تمنع فئات معينة من الحضور فيها “

وبالنظر إلى النص السابق يتضح أن المشرع الإماراتي قد استخدم لفظ [يجب] مما يعنى ضرورة وجوب أن تكون جلسة المحاكمة علانية، ومع هذا فالمشرع يسمح للمحكمة أن تأمر بسماع الدعوى كلها أو بعضها في جلسة سرية وذلك مراعاة للنظام العام أو المحافظة على الآداب العامة، كذلك فإن للمحكمة الحق في أن تمنع ما تشاء من الحضور في حال رأت ما يبرر ذلك.

الاستثناءات الواردة على مبدأ العلانية :

رأى المشرع أن في إطلاق العنان لمبدأ العلانية أضرارا جسيمة تلحق بالخصوم وبالدعوى والنظام العام وحماية لتلك المصالح المتعددة فرض المشرع لكفالة هذه الحماية التزاماَ بالكتمان لأسرار المحاكمة على من يشهد الجلسة السرية بحكم عمله كقاضي أو محقق أو ادعاء عام أو دفاع وقرر عقابا لمن يخل بهذا الالتزام.

وهذا ما أشارت إليه المادة 379 من قانون العقوبات الإماراتي بالنص أنه:

“يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبالغرامة التي لا تقل عن عشرين ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين من كان بحكم مهنته أو حرفته أو وضعه أو فنه مستودع سر فأفشاه في غير الأحوال المصرح بها قانونا أو استعمله لمنفعته الخاصة أو لمنفعة شخص آخر، وذلك ما لم يأذن صاحب الشأن في السر بإفشائه أو استعماله.”

فالنص يحظر على كل علم بحكم مهنته أو حرفته سر ما فأفشاه في غير الأحوال المصرح بها قانوناً وهو ما يضفي الحماية والسرية على بعض الدعاوى الذى أفرض لها القانون حماية خاصة.

وأيضاً طبقاً لنصوص قانون المحاماة الإماراتي ([3]) لا يجوز للمحامي أن يفشي سرا ائتمن عليه أو عرفه عن طريق مهنته ما لم يكن الإفضاء به من شأنه منع ارتكاب جريمة (مادة 42).

وكذلك يجب على المحامي أن يمتنع عن أداء الشهادة عن الوقائع أو المعلومات التي علم بها عن طريق مهنته إلا إذا وافق على ذلك من أبلغها إليه، ما لم يكن ذكرها له بقصد ارتكاب جناية أو جنحة (مادة41).

كما تنص المادتين 78، 79 من قانون المطبوعات والنشر الإمارات الصادر بالمرسوم بقانون اتحادي رقم 15 لسنة 1980على أن :

مادة 78 : “لا يجوز نشر أخبار بشأن تحقيق جنائي قائم إذا كان قاضي التحقيق قد أمر بجعل التحقيق سريا أو كانت النيابة العامة قد حظرت إذاعة شيء عنه”

مادة 79: ” لا يجوز نشر الأخبار أو الصور أو التعليقات التي تتصل بأسرار الحياة الخاصة أو العائلية للأفراد ولو كانت صحيحة إذا كان من شأن نشرها الإساءة إلى من تناوله النشر كما يحظر نشر ما يتضمن إفشاء سر من شأنه أن يضر بسمعة شخص أو بثروته أو باسمه التجاري أو نشر أمر يقصد به تهديده أو إرغامه على دفع مال أو تقديم منفعة للغير أو حرمانه من حرية العمل”

وحظر المشرع نشر إجراءات المحاكمة حماية لسرية المحاكمة في بعض الإجراءات هذا بجانب سرية المداولة فهي سرية بطبيعتها فلا يحضرها سوى القضاة الذى نيط بهم الفصل في الدعاوى، وأيضا فقد ذهب المشرع الإماراتي في الفقرة السادسة من المادة 264 من قانون العقوبات الاتحادي إلى حظر نشر مداولات المحاكم.

والسرية في الجلسات نوعان ، وجوبية ، وتقديرية .
أولا: حالات السرية الوجوبية وهي:

(1)-  سرية الجلسة بحكم القانون مثال ذلك سرية جلسات الأحداث، ومسائل الأحوال الشخصية.

(2)- حظر النشر بحكم القانون مثل حظر نشر دعاوى القذف والسب وغيرها.

(3)- دعاوى الطلاق والتفريق والزنا من أجل حماية الأسرة .

(4)- الجرائم الماسة بأمن الدولة من جهة الخارج.

(5)- سرية مداولات المحاكم: والمداولة هي آخر مرحلة في الدعوى، وهي تبادل الرأي في وقائع الدعوى بغية الوصول إلى إصدار الحكم([4])

ثانيا : السرية التقديرية :

سبق أن أشرنا أن تقرير السرية هو حق خالص للمحكمة تستخدمه حسب تقديرها، أما الحالات التقديرية، فإن المشرع يجيز للمحكمة إجراء جلسة سرية مراعاة للنظام العام أو محافظة على الآداب، ولها أن تأمر بسماع الدعوى كلها أو بعضها في جلسة سرية إذا توافرت موجباته عند نص القانون على ذلك.

ثانيا
(المسؤولية الجنائية عن نشر أسماء وصور أطراف المحاكمة)

أدرج دستور دولة الإمارات العربية المتحدة خصوصية الفرد وحرمة حياته الخاصة ضمن نصوصه إذ نص في المادة 26 منه على أن الحرية الشخصية مكفولة لجميع المواطنين .

وقد جرم قانون العقوبات الاتحادي في المادة 378 وما بعدها المساس بحرمة الحياة الخاصة أو العائلية للأفراد .

ويرجع مبدأ حظر نشر أسماء وصور أطراف المحاكمة إلى حماية إجراءات الدعوى من التأثير فيها بالعلانية من جهة ، كما يهدف من جهٍة أخرى إلى حماية المتهم من الإساءة بسبب النشر لأخبار قد تؤثر في سمعته و تمس شرفه، ولن تمحى هذه الإساءة حتى إن تأكدت براءة المتهم من ارتكاب الجريمة.

ولذلك فإن في عدم نشر صورة المتهم في الصحف رعاية للمصلحة العامة والعدالة أيضا ، لما لهذا النشر من تأثير على سير المحاكمة أو التحقيق إلى وجهة غير صحيحة، أما مدى هذا التأثير فهو مسألة موضوعية تدخل في السلطة التقديرية للمحكمة، فنشر صورة المتهم قبل عرضها على الشهود، قد يخل بسلامة إجراءات التحقيق ويؤثر على عملية الإثبات، لأن ذلك قد يؤدي إلى وقوع الشاهد في الخطأ عند تعرفه على صورة المشتبه به بإحدى وسائل الإعلام؛ نتيجة الغموض الذي طبعه في ذهنه عن صورة المتهم.، مما يكون له تأثير على مصلحة أو ضد مصلحة طرف من أطراف الدعوى أو التحقيق، ويؤثر، تبعا لذلك، على سير العدالة.

وبهدف التعرف على جريمة نشر أسماء وصور أطراف المحاكمة سنتطرق إلى أركان الجريمة وعقوبتها على النحو الآتي:

أولا : أركان الجريمة

تتطلب هذه الجريمة الأركان العامة المطلوبة في الجرائم ممثلة بالركن المادي والمعنوي فضلا عن ركن العلانية المطلوب في هذه النوعية من الجرائم وخاصة وقوعها بإحدى طرق العلانية، على النحو الآتي:

(1)- الركن المادي:

تُعد جريمة التأثير على العدالة من الجرائم التي تصدى لها المشرع الإماراتي من خلال تجرم نشر صور وأسماء أفراد الدعوى الذي يكون من شأنه التأثير في المحكمة من خلال توجيه الرأي العام باتجاه معين أو من خلال النشر بسوء نية مما قد ينتهك خصوصية الأفراد.

وتتطلب الجريمة أن يتحقق النشر أو الإذاعة من خلال إحدى طرق العلانية المنصوص عليها في المادة 9 من قانون العقوبات والتي عدت الصحافة ووسائل الإعلام إحدى طرق تحقق العلانية المطلوبة في بعض الجرائم ؛ فقد جاء في الفقرة الثالثة من المادة المشار إليها اعتبار نشر الصور والرسوم من طرق العلانية ؛ إذ يجري النص القانوني على أنه :

3تعد طرق للعلانية في حكم هذا القانون:

  1.  الكتابة والرسوم والصور والأفلام والرموز وغيرها من طرق التعبير إذا عرضت في مكان مما ذكر أو وزعت بغير تمييز أو بيعت إلى الناس أو عرضت عليهم للبيع في أي مكان.”
(2)- الركن المعنوي :

يقوم الركن المعنوي في هذه الجريمة بتحقق وتوافر القصد الجنائي العام، عبر تحقق عنصري العلم والإرادة، حيث يتطلب المشرع أن يعلم الجاني بأن سلوكه المتمثل بالقول أو الكتابة أو الرسم أو الصورة وبثها بإحدى طرق العلانية، وبمضمون ومعاني ما صدر عنه، فضلا عن علمه بعدم مشروعية فعله، بأن كان يعلم بأن النشر يحقق اعتداء على أطراف الدعوى وعلى سير القضاء واحترام قرينة البراءة ومن جانب آخر يجب أن تتجه إرادته إلى تحقيق النشاط المتمثل بالنشر من خلال إحدى طرق العلانية.

(3)- ركن العلانية: 

وتتحقق العلانية أيا كانت الوسيلة المستعملة والطريقة التي تحققت بها سواء عبر وسائل الصحافة والإعلام أو غيرها من طرق تحقق العلانية المحددة في المادة (9) من قانون العقوبات الاتحادي .

ثانيا: عقوبة الجريمة:

 يعاقب المشرع الإماراتي في المادة 264 من قانون العقوبات الاتحادي بالحبس مدة لا تزيد عن سنة أو بالغرامة كل من نشر بإحدى طرق العلانية أسماء أو صور المتهمين الأحداث، وكذلك أسماء أو صور المجني عليهم في جرائم الاعتداء على العرض، وأسماء أو صور المحكوم عليهم ؛ حيث يجري النص القانوني على أن :

” يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن سنة أو بالغرامة التي لا تتجاوز عشرة آلاف درهم من نشر بإحدى طرق العلانية:

1- أسماء أو صور المتهمين بالأحداث.

2- أسماء أو صور المجني عليهم في جرائم الاعتداء على العرض.

3- أسماء أو صور المحكوم عليهم مع وقف تنفيذ العقوبة”

النتائج :

1- نظرا لأهمية جرائم التأثير في القضاء بطريق النشر أفرد لها المشرع الإماراتي الفصل الثاني من الباب الثالث من قانون العقوبات الاتحاد ي في المواد من 262 – 265.

2- القاعدة العامة هي علانية جلسات المحاكمة ، وقد نص المشرع الإماراتي على تلك القاعدة صراحة ، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ورد فيه نص خاص ، أو ما تقدر المحكمة وجوب نظره في سرية .

3- يقر التشريع الجزائي الإماراتي حماية خاصة على سير العدالة ويحمى القضاء من محاولة التعرض له عن طريق العلانية وقد وضح المشرع الإماراتي طرق العلانية صراحة وحدد هذه الطرق على سبيل الحصر.


[1] – طارق أحمد سرور ، دروس في جرائم النشر ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1997 ، ص 10.

[2] –  خالد مصطفى فهمي ، المسئولية المدنية للصحفي ، دار الجامعة الجديدة ، الإسكندرية ، 2003 ، ص 214

[3] –  المرسوم بقانون اتحادي رقم 23 لسنة 1991 في شأن تنظيم مهنة المحاماة.

[4] – محمد راشد الطنجاني، الحماية الجنائية الإجرائية للأحداث في الإمارات، دار النهضة العلمية، الإمارات، 2018، ص 306 وما بعدها

تعليقات فيس بوك
Sending
User Review
5 (1 vote)

عن الكاتب

محمد خالد شرف المحامي بالنقض

محامي حر ومستشار قانوني لأكثر من تسعة عشر عاما ،أنشأت هذه المدونة إثراء للمحتوى والفكر القانوني المصري والعربي على شبكة الأنترنت ،ولمساعدة زملائي المحامين وخاصة المبتدأين منهم في الوصول إلى المعلومة القانونية الصحيحة في بداية مسيرتهم المهنية.

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.