بطلان العقد في ضوء نصوص التقنين المدني 3 /3 | آثار البطلان

الصورة بواسطة Александар Цветановић من Pexels

آثــــــــار البطـــــلان

تمهيـــد :

      الأصل العام أنه متى حكم ببطلان العقد ، سواء أكان العقد باطلاً أصلاً أم كان قابلاً للإبطال ، فالنتيجة واحدة وهي أن العقد قد أصبح معدوما منذ إبرامه ، فلا يصلح لترتيب أي أثر من آثار العقد الصحيح سواء في إطار العلاقة بين طرفيه أو بالنسبة للغير. بيد أن القانون قد يتجه رغم ذلك في بعض الأحوال إلى الحد من فكرة انعدام العقد الباطل بالكلية فيرتب عليه بعض آثار العقد الصحيح سواء بين طرفيه أو في مواجهة الغير حسن النية الذي كان يجهل بطلان العقد أو قابليته للإبطال ، وذلك على التفصيل الآتي :

أولاً – آثار بطلان العقد بالنسبة للعاقدين :-

      القاعدة العامة أنه إذا حكم القاضي ببطلان العقد أيا كان نوع البطلان زال كل أثر للعقد بين طرفيه منذ ميلاده فيصير كالعدم سواء بسواء ، فإذا كان العقد لم ينفذ قبل هذا الحكم فلا مجال لتنفيذه مطلقا ، أما إذا كان العاقدان قد نفذاه كليا أو جزئيا وجب إعادة العاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد ، فيرد كل واحد منهما إلى الآخر حقه الذي أخذه بموجب هذا العقد الباطل المعدوم ، فإن كان العقد بيعا وجب على البائع رد الثمن إلى المشتري ووجب على المشترى أن يرد المبيع إلى البائع.

      وإذا حدث أن تعذرت إعادة العاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد ، كما لو كان المبيع قد هلك في يد المشتري لسبب يرجع إليه أو كان العقد من عقود المدة كعقد إيجار مثلا ، ففي هذه الحالة يعوض البائع تعويضا عادلا عن هلاك المبيع ، ويعوض المؤجر عن مدة الإيجار التي انتفع فيها المستأجر بالعين المؤجرة قبل الحكم ببطلان عقد الإيجار تعويضاً عادلاً ([1]) .

           ولا يحول دون العاقد واسترداد ما أداه في العقد ، أن يكون الحكم ببطلان العقد لسبب يرجع إليه ، فإبطال عقد شراء شقة لعدم مشروعية الباعث (كما لو كان المشتري قد اشتراها لاستغلالها في أعمال منافية للنظام العام والآداب) لا يمنعه من أن يسترد الثمن الذي دفعه للبائع كمقابل للشقة .

      بيد أنه قد يخرج القانون في بعض الأحوال على منطق البطلان الذي يوجب الانعدام الكلي للعقد ، فيرتب على العقد الباطل بعض آثار العقد الصحيح ، أو يخالف أثر الحكم بالبطلان الذي يوجب إلزام كل عاقد برد ما أخذه كاملا من العاقد الآخر بموجب العقد المحكوم ببطلانه ؛ فلا يلزم العاقد برد كامل ما أخذ ولكن يلزمه بالرد في حدود ما عاد عليه من منفعة بسبب العقد ، وذلك على النحو التالي :

[1]- الحد من أثر البطلان في خصوص التزام عديم الأهلية أو ناقصها بالرد:

      لقد كان من مقتضى القاعدة العامة لأثر البطلان والتي توجب إعادة العاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل إبرام التصرف الباطل ، أن يلتزم ناقص الأهلية أو عديمها برد الأداء الذي حصل عليه من العاقد الآخر بناء على العقد قبل بطلانه كاملاً ، فيرد إليه كامل الثمن الذي دفعه إليه مشتري العقار ، مادام أنه سيسترد منه في المقابل المبيع كاملا. غير أن القانون خرج على هذا الأصل العام ولم يجز إلزام عديم  الأهلية أو ناقصها بالرد إلا في حدود ما عاد عليه من منفعة بسبب العقد ([2]) ، وذلك من باب الرعاية لمصلحة ناقص الأهلية.

      ويقع على عاتق الطرف الآخر إثبات مدى المنفعة التي عادت على ناقص الأهلية من وراء العقد ، كأن يكون قد استعمل ثمن بيعه العقار في سداد دين كان عليه أو في شراء عقار آخر أو أنفقه في تعليمه أو في شئ يعود عليه بالنفع ، أما إذا كان ناقص الأهلية قد بدد هذا الثمن فيما يضره كما لو أنفقها في ملذاته وشهواته فلا يقع عليه التزام بالرد في مواجهة العاقد الآخر ، وفي هذه الحالة يتحمل العاقد مع ناقص الأهلية مغبة هذا التعامل حيث كان ينبغي عليه التثبت قبل إبرام العقد من أهلية من سيتعاقد معه ، ومادام أنه لم يكترث بذلك أو علم بنقص أهلية هذا العاقد ورغم ذلك تعاقد معه ، فيستحق من وجهة نظرواضع القانون أن يتحمل مغبة آثار العقد القابل للإبطال لنقص أهلية من تعاقد معه إذا حكم ببطلانه بعد ذلك بناء على طلب ناقص الأهلية ، فلا يسترد من ناقص الأهلية إلا في حدود ما عاد على ناقص الأهلية من منفعة بسبب أدائه في العقد ، بحيث إذا انعدمت المنفعة فلا يسترد شيئا.

وهذا الحكم مع وجاهته محل نظر للأسباب الآتية:-

(1)- إنه يفتقد إلى معاني المساواة والعدالة بين العاقدين, والتي كانت تقتضي التسوية فيما بينهما في الالتزام بالرد على إثر الحكم ببطلان العقد, بحيث يلتزم كل واحد منهما ولو كان ناقص الأهلية أو عديمها عن طريق نائبه برد كامل الأداء الذي حصل عليه بموجب العقد.

فليس من العدالة في شئ التفرقة بين العاقدين في هذا الخصوص حتى وإن انعدمت أهلية أحدهما أو انتقصت, فلا مبرر لمحاباة ناقص الأهلية أو عديمها بجعل التزامه بالرد في حدود ما عاد عليه من منفعة بسبب العقد, وليس في حدود ما أخذه من أداء في العقد.

(2)- إنه يصعب على العاقد مع ناقص الأهلية أو عديمها إقامة الدليل على مظاهر المنفعة التي عادت على ناقص الأهلية أو عديمها من وراء العقد. حيث يفهم من النص القانوني المنظم لالتزام ناقص الأهليه أو عديمها بالرد أن العاقد مع أيهما هو الذي يكلف بإثبات مقدار هذه المنفعة ومظاهرها, وهذا أمر شاق للغاية بالنسبة له, الأمر الذي يصعب عليه مهمة استرداد حتى الجزء الذي عاد بالمنفعة على ناقص الأهلية أو عديمها من أدائه الذي بذله إليه في العقد.

(3) – إنه وإن كان العاقد مع ناقص الأهلية أو عديمها يستأهل المؤاخذة والجزاء سواء لتقصيره في الاستعلام عن أهلية من سيتعاقد معه (هذا إذا كان قد تعاقد وهو يجعل إنعدام أو نقص أهلية من تعاقد معه) أو لمجازفته وتعاقده مع علمه بنقص أهلية من تعاقد معه أو انعدامها, إلا أن هذه المؤاخذة لا ينبغي أن تحمل في نفس الوقت معنى الثواب والمكافأة لناقص الأهلية أو عديمها بعدم إلزامه بالرد أصلاً إذا خلت مظاهر المنفعة له من الأداء المبذول له في العقد, الأمر الذي يشجع ناقص الأهلية أو عديمها على التعاقد مع الآخرين وهما في مأمن من المسئولية التقصيرية (باستثناء الحالة التي يخفى فيها ناقص الأهلية نقص أهليته غشاً منه حيث يسمح للعاقد معه بالرجوع عليه بالتعويض), حيث لا يلتزم أي منهما بالرد أصلاً إذا إنعدمت الفائدة له من وراء العقد أو يلتزم بالرد في حدود مقدار الفائدة المحققة له بسبب هذا العقد عند الحكم ببطلان العقد, وهذا – من وجهة نظري – يعد من مظاهر أكل أموال الناس بالباطل.

      غير أنه من حق العاقد مع ناقص الأهلية أن يقاضيه على أساس المسئولية التقصيرية إذا كان عدم علمه بنقص أهليته يرجع إلى احتيال ناقص الأهلية عليه ، كما لو قدم شهادة مزورة على أنه رشيد ليخفي عن العاقد الآخر نقص أهليته ، ويطلب من القاضي إلزام ناقص الأهلية بتعويضه عن الضرر الذي أصابه من جراء هذا العمل غير المشروع (م 119 مدني مصري ([3])).

[2]- الحد من أثر بطلان عقد الشركة:

      لقد كان من مقتضى الأصل العام لبطلان عقد الشركة في إطار العلاقة بين الشركاء ، أن يصير هذا العقد معدوما منذ إبرامه ، غير أن تطبيق فكرة الانعدام الكلي للعقد الباطل على عقد الشركة من شأنه أن يؤدي إلى تجاهـل وجود الشركة كشركة واقعية لها آثارها بين الشركاء أو في مواجهة الأغيار الذين تعاملوا مع هذه الشركة (وسوف نوضح آثار عقد الشركة الباطل في مواجهة الغير عقب بيان أثره بالنسبة للشركاء) لذلك فقد اتجه الفقه والقضاء ([4]) إلى الاعتداد بالوجود الفعلي أو الواقعي للشركة L’existence réelle de la societé في إطار العلاقة بين الشركاء وقصر أثر البطلان على المستقبل دون الماضي ، بحيث يرجع إلى نصوص العقد الباطل في تصفية حقوق الشركاء في الفترة السابقة على الحكم ببطلان عقد الشركة ، وتوزع الأرباح والخسائر على هؤلاء الشركاء على ضوء ما ورد في هذا العقد من نصوص ، مما يدل على الحد من آثار البطلان بالنسبة للماضي وقصر آثاره على المستقبل فقط ، خروجا على فكرة الأثر الرجعي لبطلان العقد L’idée d’effet rétroactif de la nullité du contrat.

[3]- البطلان الجزئي أو انتقاص العقد :-

      قد يحدث أن ينشأ العقد صحيحا في أغلب أجزائه ولكن يشوبه البطلان أو القابلية للإبطال في جزء منه فقط ، ففي هذه الحالة يميل القانون إلى بتر الجزء الباطل فقط والإبقاء على الأجزاء الصحيحة للعقد ، وذلك خروجا على منطق البطلان الذي يوجب انعدام العقد كليا إذا تضمن ما يشوبه بالبطلان أو القابلية للإبطال وتمسك صاحب الحق بالإبطال.

      إذ تفترض فكرة البطلان الجزئي L’idée de la nullité partielle أننا بصدد عقد غير صحيح في كل أجزائه ، كما أنه في نفس الوقت ليس باطلا أو قابلا للإبطال في كل أجزائه ، وإنما هو عقد صحيح في معظم أجزائه ويشوبه البطلان أو القابلية للإبطال في جزء أو شق منه فقط ، ويفضل القانون الإبقاء على مثل هذا العقد في أجزائه الصحيحة والاكتفاء ببتر الجزء الباطل أو القابل للإبطال (إذا طلب صاحب المصلحة في الإبطال ذلك) بدلا من إبطال العقد في كل أجزائه الصحيح منها والفاسد ، شريطة ألا تكون إرادة العاقدين قد انصرفت إلى عدم قيام العقد بدون وجود الجزء الباطل أو القابل للإبطال ، حيث يترتب على تخلف هذا الشرط أن يتم إبطال العقد في جميع أجزائه وليس في الجزء الباطل أو القابل للإبطال منه فقط.

      وفي ذلك تنص المادة 143 من التقنين المدني المصري على أنه :

“إذا كان العقد في شق منه باطلاً أو قابلاً للإبطال، فهذا الشق وحده هو الذي يبطل، إلا إذا تبيّن أن العقد ما كان ليتم بغير الشق الذي وقع باطلاً أو قابلاً للإبطال فيبطل العقد كله.” ([5])

      مثال ذلك : أن يبيع شركاء على الشيوع عقارات يملكونها وفيهم شريك ناقص الأهلية ، أو أن تهب زوجة زوجها مالا مشترطة عليه ألا يطلقها أو يتزوج عليها ، أو أن يشتري شخص مجموعة من السلع من آخر ويقع في غلط جوهري في إحدى هذه السلع ، ففي هذه الأمثلة يمكن بموجب فكرة البطلان الجزئي أن نبطل فقط الجزء الباطل فقط أو نحكم ببطلان الجزء القابل للإبطال متى تمسك به صاحب الحق ونبقى على باقي العقد في أجزائه الصحيحة ، فنستبعد في المثال الأول نصيب الشريك القاصر في العقارات الشائعة ، وتصح الهبة ويبطل الشرط وحده في المثال الثاني ، ويصح البيع بالنسبة لجميع السلع باستثناء السلعة التي وقع فيها المشتري في غلط جوهري في المثال الأخير ، هذا كله ما لم يتبين من ظروف التعاقد أن إرادة العاقدين ما كانت لتتجه إلى إبرام العقد بدون وجود الشق الباطل أو القابل للإبطال من هذا العقد ، فعندئذ يبطل العقد في جميع أجزائه.

      وقد ينص القانون على البطلان الجزئي أو انتقاص العقد ولو كان ذلك على غير إرادة عاقديه ، وذلك في الحالات التي يقصد فيها العاقدان من وجود الجزء الباطل في العقد إهدار قواعد القانون المتصلة بالنظام العام ، كأن يبرم العاقدان عقد قرض بفائدة ربوية في القانون المدني البحريني الذي لا يجيز الربا في المعاملات المدنية أو بفائدة تجاوز الحد الأقصى للسعر المحدد لها في ظل القانون المدني المصري ([6]) ، أو عقد بيع لسلعة بسعر يجاوز سعرها الإلزامي المحدد لها أو عقد عمل بأجر يقل عن الحد الأدنى للأجور بالنسبة للعمال الخاضعين لأحكام قانون العمل ، حيث يبطل في هذه الحالات الجزء الباطل المخالف لنصوص القانون فقط ويصح العقد بدونها حتى وإن كانت إرادة العاقدين قد انصرفت إلى عدم قبول العقد بدون هذا الجزء الباطل.

[4] – تحول العقـد :-              

      قد يحدث أن يتضمن العقد الباطل أو القابل للإبطال بين ثناياه عناصر عقد آخر وإن لم يقصده العاقدان إلا أن إرادتهما كانت ستنصرف إليه حتما لو كانا يعلمان ببطلان العقد الأصلي ، فعندئذ يعتد قانونا بعناصر العقد الآخر الموجودة بين أشلاء وركام العقد الباطل أو القابل للإبطال ، مادام أن تحول العقد الباطل أو القابل للإبطال إلى العقد الآخر أمر يتفق مع الإرادة المحتملة أو المتوقعة لطرفي العقد La volonté probable ou prévisionnelle de deux parties du contrat  ، كما تتحقق من خلاله المصلحة العامة كأثر فوري للإبقاء على العقود وعدم إهدار كل قيمة لها بصورة كاملة.

      وفي ذلك تنص المادة 144 مدني مصري على أنه :

” إذا كان العقد باطلاً أو قابلاً للإبطال وتوافرت فيه أركان عقد آخر، فإن العقد يكون صحيحاً باعتباره العقد الذي توافرت أركانه، إذا تبيّن أن نية المتعاقدين كانت تنصرف إلى إبرام هذا العقد.” ([7])

      فمثلاً القسمة الباطلة Le partage nul لنقص أهلية أحد المتقاسمين قد تصلح قسمة مهايأة صحيحة (أي قسمة انتفاع سواء كانت المهايأة زمانية بأن ينتفع كل شريك بالمال الشائع كله زمنا معينا أو كانت مهايأة مكانية بأن ينتفع كل شريك بجزء معين من المال الشائع) إذا كان القاصر مأذونا له بالإدارة ([8]) ، كذلك فإن عقد البيع الباطل لتفاهة الثمن قد يصلح عقد هبة صحيحة إذا توافرت لدى البائع نية التبرع وأفرغ التصرف في الشكل الرسمي المطلوب لذلك قانوناً ([9]) .

      ويبدو مما سبق أن الأخذ بفكرة تحول العقد خروجا على منطق بطلان العقد ، يستوجب توافر الشروط الثلاثة التالية :

أ الشرط الأول :

      أن يكون العقد الأصلي باطلا أو قابلا للإبطال ، وهذا أمر بديهي لأن العقد الأصلي إن كان صحيحا فلا يتحول منه إلى غيره احتراما لقوته الإلزامية لطرفيه كعقد تلاقت عليه إرادتا طرفيه ، حتى ولو ثبت أن العاقدين يُؤْثرِان عليه  العقد الآخر الذي يتضمن العقد الأصلي عناصره ، فلا يتحول عقد الهبة متى كان صحيحا إلى بيع بثمن بخـس ولو كان العاقدان يؤثرانه على الهبة.

      كما أنه إذ كان العقد الأصلي باطلا أو قابلا للإبطال في جزء منه فقط ، وصحيحا في بقية أجزائه فلا يؤخذ بفكرة تحول العقد ولكن يؤخذ بفكرة البطـلان الجزئي أو انتقاص العقد ، على أساس أن إعمال فكرة إنقاص العقد يعتمد على الإرادة الحقيقية لطرفي العقد ، في حين أن إعمال فكرة تحول العقد يعتمد على الإرادة المحتملة لهما ([10]) .

ب- الشرط الثاني :

      توافر كل عناصر العقد الجديد بالعقد الأصلي الباطل أو القابل للإبطال ، وهذا شرط منطقي تستوجبه فكرة تحول العقد ذاتها ، فلا يمكن التحول من عقد باطل أو قابل للإبطال إلى غيره كعقد جديد إلا إذا توافرت بين أشلاء هذا العقد الباطل أو القابل للإبطال كافة عناصر العقد الجديد .

      وليس من حق القاضي أن يتلمس كل أو بعض عناصر العقد الجديد من خارج العقد الأصلي المشوب بالبطلان أو كما يقول البعض لا يجوز استحداث عنصر خارجي وإقحامه على العملية العقدية لإعمال فكرة تحول العقد ، بحيث إذا أبطل عقد بيع سيارة لكونها غير مملوكة للبائع فلا يجوز القول بتحول العقد إلى سيارة أخرى يملكها هذا البائع ؛ لأن المحل في العقد الباطل غير المحل الذي يراد تحول العقد الجديد إليه، وهذا مما يخالف منطق نظرية التحول وجوهرها ([11]).

ج- الشرط الثالث :

      أن تكون الإرادة المحتملة للعاقدين ستتجه إلى العقد لو تبينا بطلان العقد الأصلي ، على أساس أن فكرة التحول لا تقوم على مبدأ التسلط على إرادة العاقدين بتلمس العقد الجديد بعيدا عن إرادتيهما ، ولكنها تقوم على أساس التفسير المنطقي للإرادة المشتركة للعاقدين ، حيث يستفاد من ظروف العقد وملابساته أن هذه الإرادة يحتمل أنها كانت تنصرف إلى العقد الجديد لو علم العاقدان ببطلان العقد الأصلي.

      ولذلك لا يمكن القول بتحول عقد المقايضة إلى عقد هبة إذا كان أحد البدلين غير صالح للتعامل عليه ، لأنه لا يمكن احتمال انصراف نية العاقدين إلى التبرع لو كانا يعلمان ببطلان المقايضة ([12]) ، في حين يمكن تحول السند الرسمي الباطل إلى سند عادي متى كان موقعا عليه من طرفيه ، وتحول السند التجاري إلى سنـد عادي إذا شابه نقص في البيانات التي يجب اشتماله عليها وفقا لأحكام القانون التجاري ([13]) .

ثانياً – آثار بطلان العقد بالنسبة للغير :-

      إن إعمال منطق البطلان يقتضي انعدام كل أثر للعقد الباطل أوالقابل للإبطال متى حكم ببطلانه في مواجهة الغير En vers d’autrui كقاعدة عامة ، بحيث إذا رتب المشتري بعقد باطل أو قابل للإبطال رهنا على العين المبيعة ، ثم صدر حكم ببطلان العقد ، ترتب على ذلك زوال كل أثر لهذا العقد في مواجهة العاقدين أو الغير ، ويكون من حق البائع أن يسترد العين المبيعة خالية من أي حق عيني رتبه المشتري عليها ، لأن بطلان العقد يجعل المشتري غير مالك للعين المبيعة من وقت العقد فيصير غير ذي صفة في رهنها ، وكذلك الحال إذا باع المشتري هذه العين ثم أبطل عقده بعد ذلك ، حيث يكون للبائع الأول استرداد العين من المشتري الثاني ، لأن المشتري الأول لم يعد مالكا وقد أبطل عقد شرائه فلا يكون ذا صفة في بيعها لغيره.

      بيد أن إعمال هذه القاعدة بصورة مطلقة في هذه الأمثلة وأشباهها من شأنه أن يؤدي إلى زعزعة الثقة في التعامل بين الأفراد ، فيصيب التعامل بالشلل والركود ، لأن كل من يرغب في التعامل مع غيره على ما يملكه سوف يتوجس خيفة من أن يفاجأ في المستقبل ببطلان أو قابلية عقد من تعامل معه للبطلان فتزول على إثر الحكم ببطلان هذا العقد كل آماله من وراء العقد ، لذلك فقد ارتأى واضع القانون أن يحد من أثر الحكم ببطلان العقد في مواجهة الغير في بعض الأحوال تدعيما للثقة في العقود وحماية للغير حسن النية الذي لم يعلم ولم يكن في وسعه أن يعلم ببطلان سند من تعامل معه أو قابلية هذا السند للإبطال ، ويتجلى هذا الحد أوالتقييد لأثر البطلان بالنسبة للغير في كثير من الحالات ، نذكر منها على سبيل البيان والتمثيل ، لا الحصر والتعيين ما يلي :-

[1]- الإبقاء على عقود الإدارة الصادرة ممن أبطل سند ملكيته :-

      تبقى صحيحة لمصلحة الغير عقود الإيجار Contrats du bail التي لا تزيد على ثلاث سنوات باعتبارها من أعمال الإدارة (ويقصد بأعمال الإدارة تلك الأعمال التي تقتصر على إدارة المال واستغلاله ، دون أن تؤدي إلى إخراج المـال من ملك صاحبه) ، ولو صدر حكم ببطلان سند ملكية من صدرت عنه ، وذلك حماية للغير حسن النية الذي اطمأن إلى سلامة سند من صدرت عنه هـذه العقـود من أسباب البطلان أو الإبطال ، وتدعيما لثقته في ذلك ، هذا بالإضافة إلى أن أعمال الإدارة (كعقود الإيجار مثلا) ليست أعمالا خطيرة الأثر ، فضلا عن كونها ضرورية بالنسبة لاستغلال الأموال ([14]) .

[2]- الإبقاء على الرهن الرسمي الصادر ممن زالت ملكيته بسبب الحكم بالبطلان :

      لقد كان من مقتضى بطلان سند الراهن أن يزول الرهن الذي رتبه على العقار بموجب هذا السند ، نظرا لما للبطلان من أثر رجعي يصير الراهن بمقتضاه غير مالك للعقار المرهون وقت رهنه ، غير أن القانون خرج على مقتضى القواعد العامة حماية للغير حسن النية ، الذي كان يجهـل ما كان يعترى سند ملكية الراهن من مخاطر قد تؤدي إلى زواله أو إبطاله في المستقبل ، فأقدم بحسن نية على منح الراهن ائتمانه لقاء ما رتبه له على عقاره من رهن ضمانا لدينه ، معتقدا أن للراهن ملكية هذا العقار المرهون ، وأن هذه الملكية ملكية باتة ومؤكدة لا يتهددها خطر الزوال أو الإبطال ، فنص صراحة على أن يبقى هذا الرهن صحيحا ونافذا رغم زوال ملكية الراهن بالبطلان أو غيره من أسباب الزوال (م946 مدني بحريني ([15])) .

[3]- إجازة التمسك بالعقد الصوري صورية مطلقة :

      على الرغم من أن العقد الصوري صورية مطلقة ([16]) عقد وهمي غير حقيقي لا وجود له في الواقع بين طرفيه ، إذ يلتجأ إليه الطرفان لإيهام الغير بوجود عقد بين طرفيه على خلاف الحقيقة ، حيث يحتفظ الطرفان بورقة ضد تشهد بعدم صحة هذا العقد الظاهر، كمن يبيع لآخر شيئا يملكه بيعا صوريا ، ويحتفظا سويا بورقة مستترة تثبت صورية هذا العقد ، إلا أن القانون أجاز للغير الذي أودع ثقته في هذا العقد الظاهر ولم يعلم بصوريته ، أن يتمسك به وكأنه عقد صحيح تترتب عليه كافة آثار العقد الصحيح ، رغم كونه في الأصل عقدا معدوما لا وجود له في الحقيقة والواقع (244 /2 مدني مصري ([17])).

[4]- الإبقاء على عقود الغير مع الشركة قبل الحكم ببطلانها:

      إن بطلان عقد الشركة لا يمس سلامة العقود التي أبرمها الشركاء مع الغير ، فتظل صحيحة ومنتجة لآثارها رغم زوال الشركة ببطلان عقد إنشائها ، وذلك حماية للأغيار الذين تعاملوا مع الشركة بحسن نية ، وهم على جهالة بما يشوب عقدها من أسباب البطلان أو القابلية للإبطال ، لاسيما وأن الشركة قبل الحكم ببطلان عقدها كانت شركة واقعية موجودة بالفعل.

وفي هذا قضت محكمة النقض المصرية :

” أنه ولئن كان النص في الفقرة الأولى من المادة ١٤٢ من القانون المدنى على أنه ” في حالتى إبطال العقد وبطلانه يعاد المتعاقدان إلى الحالة التى كانا عليها قبل العقد … ” قطعى الدلالة على الأثر الرجعى للإبطال أو البطلان وعلى شموله العقود كافة ، إلا أنه من المقرر بالنسبة لعقد المدة أو العقد المستمر والدورى التنفيذ – كالشركة – أنه يستعصى بطبيعته على فكرة الأثر الرجعى لأن الزمن فيه مقصود لذاته باعتباره أحد عناصر المحل الذى ينعقد عليه مادامت أنها قد باشرت بعض أعمالها فعلاً بأن اكتسبت حقوقاً والتزمت بتعهدات يتعذر الرجوع فيما نفذ منها ، فإذا بطل أو أبطل عقد الشركة بعد ذلك فإن آثاره التى أنتجها من قبل تظل قائمة عملياً ولا يعد العقد باطلاً إلا من وقت الحكم النهائى الصادر بالبطلان لا قبله ويعتبر البطلان هنا بمثابة إلغاء لعقد الشركة في حقيقة الواقع .

(الطعن رقم ١٦٤٩٨ لسنة ٨٣ قضائية ، جلسة ٢٠١٥/٠٥/١٠)



([1]) حيث تنص المادة (142 /1) من التقنين المدني المصري على أنه:

“1- في حالتي إبطال العقد وبطلانه يُعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد، فإذا كان هذا مستحيلاً جاز الحكم بتعويض معادل.”.

([2]) إذ تنص 142 /2 من التقنين المدني المصري على أنه :

” 2- ومع ذلك لا يُلزم ناقص الأهلية، إذا أُبطل العقد لنقص أهليته، أن يرُدّ غير ما عاد عليه من منفعة بسبب تنفيذ العقد.”

([3]) إذ تنص المادة 119 من التقنين المدني المصري على أنه : “يجوز لناقص الأهلية أن يطلب إبطال العقد، وهذا مع عدم الإخلال بإلزامه بالتعويض، إذا لجأ إلى طرق احتيالية ليخفي نقص أهليته.”                                    

([4]) انظر في هذا المعنى : أ.د/ حمدي عبد الرحمن ص 416 ، أ.د/ محمد إبراهيم دسوقي بند 128 ، ص149 ، أ.د/ علي حسن نجيدة ص193.، د/ مفلح عواد “الوجود الواقعي والوجود القانوني للشركة الواقعية في القانون المقارن” رسالة دكتوراه عام 1985م بجامعة القاهرة.

وقد قضت محكمة النقض في هذا الصدد بأن : ” المقرر – في قضاء محكمة النقض – أنه ولئن كان النص في الفقرة الأولى من المادة ١٤٢ من القانون المدني قطعي الدلالة على الأثر الرجعى للإبطال أو البطلان وعلى شموله العقود كافة ، إلا أنه من المقرر بالنسبة لعقد المدة أو العقد المستمر والدوري التنفيذ – كالشركة – أنه يستعصى بطبيعته على فكرة الأثر الرجعى ؛ لأن الزمن فيه مقصود لذاته باعتباره أحد عناصر المحل الذى ينعقد عليه طالما أنها قد باشرت بعض أعمالها فعلًا بأن اكتسبت حقوقًا والتزمت بتعهدات يتعذر الرجوع فيما نفذ منها ، فإذا بطل أو أبطل عقد الشركة بعد ذلك فإن آثاره التي أنتجها من قبل تظل قائمة عمليًا ولا يعد العقد باطلًا إلا من وقت الحكم النهائي الصادر بالبطلان لا قبله ، ويعتبر البطلان هنا بمثابة إلغاء لعقد الشركة في حقيقة الواقع فيكون للشركاء من بعد الحق في تصفيتها اتفاقًا أو قضاء لتوزيع ما أنتجته من ربح أو خسارة بينهم كل بحسب نصيبه .”

( نقض مدني – الطعن رقم ١٠٦٩ لسنة ٧٦ قضائية ، جلسة ٢٠١٩/٠١/١٣)

([5]) وفي هذا قضت محكمة النقض المصرية بأن : ” المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن مفاد النص في المادة ١٤٣ من القانون المدنى أنه ما لم يقم من يدعى البطلان الدليل على أن الشق الباطل أو القابل للإبطال لا ينفصل عن جملة التعاقد يظل ما بقى من العقد صحيحاً باعتباره عقداً مستقلاً ويقتصر البطلان على الشق الباطل وحده .”

(الطعن رقم ٥٨٧ لسنة ٧٩ قضائية ، جلسة ٢٠١٨/١١/٢٤)

([6]) ولاشك أن الإقراض بربا يعد كبيرة من كبائر الذنوب ، وقد الله في كتابه المجيد :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٢٧٨﴾  

[الآية 278 من سورة البقرة].

([7]) وفي هذا قضت محكمة النقض المصرية بأنه : ” المقرر أن المادة ١٤٤ من القانون المدنى تشترط لتحول العقد الباطل أن تتوافر فيه أركان عقد آخر صحيح وأن يقوم الدليل على أن نية المتعاقدين كانت تنصرف إلى الارتباط بالعقد الجديد لو أنهما تبينا ما في العقد الأصلى من أسباب البطلان ، وتعرف هذه النية من مسائل الواقع التى يستقل بتقديرها قاضى الموضوع .”

(الطعن رقم ٧٢٩ لسنة ٦٨ قضائية ، جلسة ٢٠١٠/٠٥/٠٩ ، مجموعة المكتب الفني سنة ٦١ – قاعدة ١٠٦ – صفحة ٦٥٠ )

([8]) أ.د/ حمدي عبد الرحمن ص408 ، أ.د/ محمد إبراهيم دسوقي بند 137 ، ص148.

([9]) أ.د/ محمد إبراهيم دسوقي بند 137 ، ص148.

([10]) أ.د/ عبد الرزاق السنهوري فقرة 307 ، أ.د/ سليمان مرقس بند 345 ، ص462.

([11]) أ.د/ سليمان مرقس ” الوجيز فى شرح القانون المدنى ” ، جـ2 ، الالتزامات ، بند 223 ،ص 201 ، طبعة عام 1964م ، المطبعة العالمية بالقاهرة.

([12]) أ.د/ محمد إبراهيم دسوقي بند 137 ، ص149.

([13]) أ.د/ علي نجيدة ص200 ، أ.د/ حمدي عبد الرحمن ص408.

([14]) أ.د/ حمدي عبد الرحمن ص 419 ، أ.د/ محمد إبراهيم دسوقي بند 138 ، ص149.

([15]) حيث تنص المادة 1034 من التقنين المدني المصري على هذا المعنى قائلة :” يبقى قائماً لمصلحة الدائن المرتهن الرهن الصادر من المالك الذي تقرر إبطال سند ملكيته أو فسخه أو إلغاؤه أو زواله لأي سبب آخر، إذا كان هذا الدائن حسن النية في الوقت الذي أبرم فيه الرهن.”

([16]) فالصورية في العقود قد تكون صورية مطلقة حينما ترد على التصرف ذاته ، فيكون التصرف الظاهر لا وجود له في الحقيقة والواقع بين طرفيه ، كأن يعمد المدين إلى بيع عقار يملكه لقريب له بيعا صوريا ليتوقى حجز الدائنين عليه ، ثم يعترف هذا القريب في ورقة الضد بأن البيع ليس حقيقيا وأن ملكية العقار لازالت للبائع ، وقد تكون صورية نسبية وذلك حينما يكون التصرف الظاهر يخفي حقيقة تصرف آخر هو الذي يقصده طرفا العقد ، مثال ذلك أن يحاول أب تمييز أحد أبنائه بنصيب من ماله فيخفي هبته له في صورة عقد بيع صوري.

([17]) حيث تنص المادة 244 /1 من التقنين المدني المصري على أنه : “- إذا أُبرم عقد صوري فلدائني المتعاقدين وللخلف الخاص، متى كانوا حسني النية، أن يتمسّكوا بالعقد الصوري، كما أن لهم أن يتمسّكوا بالعقد المستتر ويثبتوا بجميع الوسائل صورية العقد الذي أضر بهم. “

تعليقات فيس بوك
Sending
User Review
5 (1 vote)

عن الكاتب

محمد خالد شرف المحامي بالنقض

محامي حر ومستشار قانوني لأكثر من تسعة عشر عاما ،أنشأت هذه المدونة إثراء للمحتوى والفكر القانوني المصري والعربي على شبكة الأنترنت ،ولمساعدة زملائي المحامين وخاصة المبتدأين منهم في الوصول إلى المعلومة القانونية الصحيحة في بداية مسيرتهم المهنية.

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.