بطلان العقد في ضوء نصوص التقنين المدني 2 /3 | البطلان النسبي

الصورة بواسطة Александар Цветановић من Pexels

البطــــــلان النســــبـي
أولا : حالات البطلان النسبي :

يعتبر العقد باطلا بطلانا نسبيا أو قابلا للإبطال في الحالات الآتية :

1- إذا كان أحد العاقدين ناقص الأهلية وكان العقد دائرا بين النفع والضرر.
2- إذا شاب رضاء أحد العاقدين عيب من عيوب الإرادة ، كالغلط أوالتدليس أو الإكراه أو الاستغلال.
3- إذا ورد نص قانوني خاص يقرر قابلية العقد للإبطال ، مثال ذلك ما تنص عليه المادة 466 /1 مدني مصري على أنه :
” إذا باع شخص شيئا معينا بالذات وهو لا يملكه ، جاز للمشتري أن يطلب إبطال البيع ، ويكون الأمر كذلك ولو وقع البيع على عقار ، سجل العقد أو لم يسجل”.

ثانياً : خصائص البطلان النسبي :

يتميز البطلان النسبي بالخصائص الآتية :-

1- البطلان النسبي يزول بالإجازة :

      العقد القابل للإبطال عقد صحيح توافرت فيه كافة أركان العقد ، وتحققت في أركانه كافة شروطها باستثناء ركن التراضي الذي وإن توافر فيه شرط الوجود ، إلا أنه قد افتقر إلى شرط الصحة لنقص أهلية العاقد أو لتعيب رضائه بأحد العيوب المفسدة له ، فالعقد هنا عقد قائم وصحيح ولكنه مهدد بالزوال إذا تمسك ببطلانه من كان رضاؤه به غير صحيح فإذا أجازه من له حق التمسك ببطلانه استقرت له صحته ووجوده بصورة نهائية وتلاشى عنه خطر زواله ، فما هو معنى الإجازة ، ومن صاحب الحق فيها ، وما هي شروط صحتها ، وما هو شكلها ، فضلاً عن الأثر المترتب عليها ؟

      كل هذه التساؤلات نجيب عليها تباعاً على النحو التالــي :

أ معنى الإجازة :

      إن إجازة العقد القابل للإبطال هي تصرف قانوني من جانب واحد وهو المجيز ، يعلن فيه عن إرادته في غض الطرف عما شاب صحة رضائه من نقص في الأهلية أو تعيب هذا الرضاء بأحد العيوب المفسدة له.

      فلا تحتاج الإجازة إلى قبول فهي عمل انفرادي يصدر من المجيز فيؤتي أثره دون توقف على إرادة الطرف الآخر بإعلان القبول له ، وبالتالي ليس من حق المجيز أن يرجع في إجازته بحجة عدم إعلان الطرف قبوله لها.

ب- من له حق الإجازة :

      يثبت حق إجازة العقد القابل للإبطال للعاقد الذي جعل له القانون حق الإبطال لمصلحته بسبب نقص أهليته أو فساد رضائه بأحد عيوب الرضـاء ، وبذلك تصح الإجازة من ناقص الأهلية بعد بلوغه سن الرشد أو من وليه أو وصيه قبل بلوغه هذه السن ، متى كانت قابلية العقد للإبطال بسبب نقص الأهلية ، وتصدر من العاقد الذي وقع في غلط تلقائي أو غلط مدفوع أو الذي تعرض لإكراه معنوي أو ممن وقع في غبن بسبب استغلال الطرف الآخر لطيشه البين أو هواه الجامح ، إذا كان سبب البطلان يرجـع إلـى فساد التراضي بعيب الغلط أو التدليس أو الإكراه أو الاستغلال.

ج شروط صحة الإجازة :

      الإجازة كعمل قانوني من جانب واحد يلزم لصحتها أن تتوافر لها الشروط الآتية :-

1- أن تصدر من صاحب الحق في إصدارها وهو من تقرر البطلان لمصلحته من العاقدين ، وبالتالي لا تصح الإجازة من الطرف الآخر غير من تقرر الإبطال لصالحه.
2- أن تصدر الإجازة عن رضاء حر خالٍ من عيوب التراضي سالفة الذكر.
3- أن يعلم المجيز بسبب قابلية العقد للإبطال ويتجه رغم ذلك إلى إجازة العقـد ، وهذا يقتضي أن يكون على علم بأن العقد كان قابلا للإبطال لمصلحته بسبب الغلط التلقائي الذي وقع فيه فجعله يتوهم غير الواقع أو بسبب الغلط المدفوع نتيجة لتدليس العاقد الآخر أو بسبب الرهبة التي حدثت له من الإكراه المعنوي الذي تعرض فحمله على العقد … إلخ ، وأنه يرغب رغم ذلك في إجازة هذا العقد والتنازل عن حقه في المطالبة بإبطاله ليستقر العقد صحيحا بصورة نهائية.

د شكل الإجازة :

      لا يلزم في التعبير عن الإجازة شكل خاص ، فيجوز أن يكون التعبير عنهـا بصورة صريحة عن طريق القول أو الكتابة أو الإشارة، أو بطريقة ضمنية يستفاد من خلالها قصد إجازة العقد كقيام المشتري للمبيع بعقد صحيح قابل للإبطال لعيب الغلط ، بالتصرف في المبيع رغم علمه بهذا العيب الذي وقع فيه ، مما يدل على إجازته للعقد رغم وجود الغلط الذي كان مهددا له بالإبطال [م 139 مدني مصري ([1])].

هـ- أثر الإجازة :

      يترتب على صدور الإجازة ممن له الحق فيها أن يستقر العقد ، الذي كان قبل صدورها قابلا للإبطال ، صحيحا بصفة نهائية ويزول عنه خطر التهدد بالزوال .

      ويقع على عاتق من يدعى حصول الإجازة للعقد القابل للإبطال ممن له الحق فيها عبء إثبات ما يدعيه ، ويمكنه إثبات الإجازة بكافة طرق الإثبات ، على أساس أن المكلف بالإثبات ليس طرفا في الإجازة فهي عمل قانوني من جانب واحد ، وبالتالي لا يطالب بدليل معين من أدلة الإثبات ([2]) .

      وإذا أجيز العقد القابل للإبطال استقر صحيحا بصفة نهائية وزال عنه ما كان يتهدده من خطر القابلية للإبطال ، لا من وقت صدور الإجازة ممن له الحق فيها ولكن من وقت إبرام العقد ؛ لأن للإجازة أثراً رجعياً.

      بيد أن ارتداد أثر الإجازة إلى وقت إبرام العقد مقيد بعدم الإضرار بحقوق الغير حسن النية ، فلا ينبغي أن يضار من هذا الأثر الرجعي ذلك الغير الذي كسب حقا قبل صدور الإجازة ، فلو تصورنا أن أحد العاقدين قد باع عقاراً له لآخر ، تحت تأثير الرهبة التي حدثت له نتيجة للإكراه المعنوي المتصل بعلم العاقد الآخر ، ثم قام برهن العقار نفسه إلى ثالث حسن النية على أساس أنه سيطلب إبطال العقد لهذا الإكراه ، ولكنه عدل عن هذا الطلب وأجاز العقد ، فإنه وإن كانت هذه الإجازة تجعل العقد صحيحا منذ إبرامه فتزيل ملكية البائع المُكْرَه من وقت إبرام العقد فتجعله غير ذي صفة في إيقاع الرهن بحسب الأصل ، إلا أن القانون قيد الأثر الرجعي للإجازة بعدم الإضرار بحقوق الغير حسن النية الذي اكتسب حقا قبل صدورها ، وبذلك يبقى الرهن على العقار المبيع صحيحاً ونافذاً حماية للغير حسن النية.( م139 /2 من التقنين المدني المصري)

2- المطالبة بالبطلان النسبي حق مقصور على من تقرر لصالحه :

      العقد القابل للإبطال عقد موجود وصحيح بين طرفيه ، غاية من هنالك أن رضاء أحد طرفيه شابه قصور في صحته إما نتيجة لنقص أهليته أو بسبب ما أفسده من أحد عيوب التراضي ، لذلك فقد جعل له القانون وحده حق طلب إبطال هذا العقد فينقلب على إثر الحكم بالبطلان إلى عقد باطل تزول عنه كل آثاره ، أو التنازل عن هذا الطلب بإجازته صراحة أو ضمنا فيستقر صحيحاً باتاً غير مهدد بالزوال.

      فلا يجوز للعاقد مع ناقص الأهلية أو مع من وقع رضاؤه بالعقد تحت تأثير الغلط أو التدليس أو الإكراه أو الاستغلال ، أن يطلب إبطال العقد ، لأنه حق مقصور على من تقرر الإبطال لصالحه (م138 مدني مصري ([3])) ، كما لا يجوز للمحكمة أن تقضي بهذا البطلان من تلقاء نفسها أو بناء على طلب العاقد الآخر غير من تقرر الإبطال لمصلحته (م138 مدني مصري).

      وينتقل حق طلب الإبطال للخلف العام للعاقد صاحب الحق فيه بعد وفاته ، فيكون لورثة القاصر أو لورثة العاقد المعيب رضاؤه الحق في طلب إبطال العقد بعد موت مورثهم ، كما أن لهم حق التنازل عنه بإجازة العقد صراحة أو ضمناً .

      ويثبت للخلف الخاص لهذا العاقد أو لدائنيه حق التمسك بالإبطال عن طريق الدعوى غير المباشرة ، أي عن طريق استعمالهم لحق مدينهم الذي تراخى في استعماله ، إذ ليس لهم من حق مباشر في مواجهة العاقد الآخر.

3- لا يتم البطلان إلا بالاتفاق أو بحكم قضائي :

      إنه على خلاف العقد الباطل الذي لا يحتاج إلى اتفاق أو حكم لبطلانه باعتباره عقدا معدوما غير موجود أصلا ، فإن العقد القابل للإبطال عقد صحيح قائم بين طرفيه يحمل في ثناياه ما يهدده بالزوال، لذلك فهو يظل موجودا أو منتجا لآثاره إلى أن يتم إبطاله بطريق الاتفاق بين طرفي العقد أو عن طريق القضاء بصدور حكم ببطلانه.

      ولذلك يعتبر الاتفاق أو الحكم منشئا لهذا البطـلان وليـس مقرراً أو كاشفا له بخلاف الحال في البطلان المطلـق ، وهـذا أمـر منطقي لأن الحكم الذي يصدر بشأن عقد باطل معدوم الوجود لا يضيف شـيئاً ولا ينشئ جديداً فهو يقرر أمراً واقعاً بشأن عقد ميت أصلا ، بعكس الحال في حالة البطلان النسبي فالحكم يصدر في مواجهة عقد موجود وصحيح بين طرفيه فيجعله عقدا باطلا عديم الوجود والأثر بعد أن كان صحيحا منتج الأثر بسبب عدم صحة رضاء أحد طرفيه.

4- الدعوى والدفع يسقطان بالتقادم  :

      إنه على خلاف الحال في البطلان المطلق الذي يسقط فيه الحق في رفع دعوى مبتدأة لطلبه بمضي المدة دون سقوط الحق في الدفع به ، فإن كلاً من الدعوى والدفع يسقطان بمضي المدة في حالة البطلان النسبي ، ويرجع هذا التمايز بين هذين النوعين من البطلان في هذا الخصوص إلى أن الدفع بالبطلان النسبي كالدعوى من حيث الأثر حيث يثير خصومة قضائية بشأن عقد موجود وصحيح تحتاج إلى حكم قضائي ينشئ وصف البطلان فيها فيكون حكماً منشئاً للبطلان وليس كاشفاً عنه أو مقرراً له ، هذا بعكس الحال في البطلان المطلق ، حيث إن الدفع بالبطلان لا يعدو عن كونه مجرد تمسك بأمر واقع لا يثير في الحقيقة أدنى خصومة قضائية بشأنه ، بل إنه حتى في الحالة التي قد تثور خصومة بين العاقدين بصدده فإن حكم القاضي فيها يكون كاشفاً عن وصف البطلان الموجود بالعقد أصلاً وليس منشئاً له .

      ومما تجدر ملاحظته أن التقنين المدني المصري قد عمد إلى التمييز في مجال بدء حساب مدة التقادم بين ما إذا كانت قابلية العقد للإبطال ترجع إلى نقص أهلية أحد العاقدين أو ترجع إلى فساد رضائه بعيب الغلط أو التدليس أو الإكراه ، وذلك على التفصيل الآتي ([4]) :-

أ – إذا كانت قابلية العقد للإبطال ترجع إلى نقص أهلية أحد العاقدين ، فإن دعوى المطالبة بإبطاله لا تسقط إلا بمضي ثلاث سنوات يبدأ حسابها من تاريخ بلوغه سن الرشد ، وبالتالي يظل له حق طلب الإبطال ولو مضى على تاريخ إبرام العقد أكثر من خمس عشرة سنة ، كما لو كان القاصر قد أبرم عقده الدائر بين النفع والضرر وهو في سن السابعة ، إذ يظل له حق طلب الإبطال إلى سن الرابعة والعشرين ، أي بعد مضي ثلاث سنوات من بلوغه سن الرشد (وسن الرشد هي واحد وعشرون عاما) فيكون بذلك قد مضي على إبرام العقد سبع عشرة سنة ، ويرجع ذلك إلى أن نقص أهلية العاقد قد تطول فتستوعب مدة تزيد على خمس عشرة سنة.

ب- أما إذا كانت قابلية العقد للإبطال ترجع إلى فساد رضاء أحد العاقدين بسبب عيب الغلط أو التدليس أو الإكراه ([5]) ، فإن دعوى المطالبة بالإبطال لأحد هذه العيوب تسقط بمضي ثلاث سنوات تحسب من تاريخ اكتشـاف الغلـط أو التدليـس أو من تاريخ زوال الإكراه ، أو بمضي خمس عشرة سنة من تاريخ إبرام العقد ، فتسقط الدعوى بأي الأجلين أقرب ، وبالتالي إذا اكتشف العاقد عيب الغلط أوالتدليس أو زوال الإكراه بعد أربع عشرة سنة فلا يحق له أن يطلب الإبطال إلا خلال سنة واحدة فقط ، بحيث إذا مضت مدة الخمس عشرة سنة سقط الحق في طلب إبطال ولو اكتشف العيب بعدها.


([1]) تنص المادة 139 من التقنين المدني المصري على أن :
“1- يزول حق إبطال العقد بالإجازة الصريحة أو الضمنية.
2- وتستند الإجازة إلى التاريخ الذي تم فيه العقد، دون إخلال بحقوق الغير.”

([2]) انظر في نفس المعنى: أ.د/ حمدي عبد الرحمن “الوسيط في النظرية العامة للالتزامات” الكتاب الأول ، المصادر الإرادية للالتزام (العقد والإرادة المنفردة) ، ص76 ، الطبعة الأولى لعام 1999م ، دار النهضة العربية ص393.

([3]) حيث تنص المادة 138 من التقنين المدني المصري على ذلك بقولها:
“إذا جعل القانون لأحد العاقدين حقا في إبطال العقد ، فليس للعاقد الآخر أن يتمسك بهذا الحق”.

([4]) حيث تنص المادة 140 من التقنين المدني المصري على أنه :
“1- يسقط الحق في إبطال العقد إذا لم يتمسك به صاحبه خلال ثلاث سنوات.
2- ويبدأ سريان هذه المدة، في حالة نقص الأهلية، من اليوم الذي يزول فيه هذا السبب، وفي حالة الغلط أو التدليس، من اليوم الذي ينكشف فيه، وفي حالة الإكراه، من يوم انقطاعه، وفي كل حال لا يجوز التمسك بحق الإبطال لغلط أو تدليس أو إكراه إذا انقضت خمس عشرة سنة من وقت تمام العقد.”

([5]) وجدير بالذكر أن عدم ذكر عيب الاستغلال كأحد عيوب التراضي في هذا المقام راجع لكون القانون خص تقادم الدعوى فيه بحكم خاص ، حيث يسقط الحق في رفعها بمضي سنة من تاريخ إبرام العقد ، وجعل القانون مدة السنة مدة سقوط وليست مدة تقادم بحيث لا تقبل الوقف أو الانقطاع ، وذلك رغبة في حسم النزاع بشأن هذا العيب الذي يقوم على وقائع يصعب إثباتها بعد مضي مدة تزيد على السنة (م129 فقرة 2 مدني مصري) ، لاسيما في عنصره النفسي أو المعنوي المتمثل في مدى تأثير الاستغلال الذي مارسه المستغِل على إرادة العاقد الآخر.

حيث يجري نص المادة 129 من التقنين المدني المصري على أنه :
“1- إذا كانت التزامات أحد المتعاقدين لا تتعادل البتة مع ما حصل عليه هذا المتعاقد من فائدة بموجب العقد أو مع التزامات المتعاقد الآخر، وتبيّن أن المتعاقد المغبون لم يُبرِم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشاً بيّناً أو هوىً جامحاً، جاز للقاضي بناءً على طلب المتعاقد المغبون أن يُبطِل العقد أو أن يُنقِص التزامات هذا المتعاقد.
2- ويجب أن ترفع الدعوى بذلك خلال سنة من تاريخ العقد، وإلا كانت غير مقبولة.
3- ويجوز في عقود المعاوضة أن يتوقّى الطرف الآخر دعوى الإبطال، إذا عرض ما يراه القاضي كافياً لرفع الغبن.”

تعليقات فيس بوك
Sending
User Review
5 (1 vote)

عن الكاتب

محمد خالد شرف المحامي بالنقض

محامي حر ومستشار قانوني لأكثر من تسعة عشر عاما ،أنشأت هذه المدونة إثراء للمحتوى والفكر القانوني المصري والعربي على شبكة الأنترنت ،ولمساعدة زملائي المحامين وخاصة المبتدأين منهم في الوصول إلى المعلومة القانونية الصحيحة في بداية مسيرتهم المهنية.

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.