بطلان العقد في ضوء نصوص التقنين المدني 1 /3 | البطلان المطلق

الصورة بواسطة Александар Цветановић من Pexels

البطـلان La nullité

أولاً : تعريف البطلان :

      هو جزاء تخلف أحد أركان العقد ، أو تخلف شرط من شروط أحد هذه الأركان، فلكي يكون العقد صحيحا يلزم أن تتوافر له أركانه الثلاثة ممثلة في الرضاء والمحل والسبب ، كما يلزم أن تتوافر لكل ركن من هذه الأركان شروطه ، فيلزم في الرضا أن يكون موجودا وصحيحا ، ويلزم في المحل أن يكون موجودا ومعينا ومشروعا ، ويلزم في السبب أن يكون موجوداً ومشروعاً .

ثانياً : أنواع البطلان :

      لقد كان الفقه التقليدي يفرق بين أنواع ثلاثة من الجزاء على تخلف أحد أركان العقد أو أحد شروط هذه الأركان ، فيجعل الانعدام L’inexistence جزاء لتخلف ركن من أركان العقد ، ويجعل البطلان المطلق جزاء لتخلف شرط من شروط هذه الأركان ، ويجعل البطلان النسبي جزاء لنقص أهلية أحد العاقدين أو لتعيب رضائه بأحد عيوب الرضاء.

      غير أن الفقه الحديث يحصر جزاء تخلف أحد أركان العقد أو أحد شروط ركن منها في البطلان المطلق والبطلان النسبي مستبعدا ما كان يسمى بالانعدام  ، لأنه ليس ثمة فرق بين البطلان المطلق والانعدام ، ذلك أن العقد الباطل بطلانا مطلقا هو عقد منعدم لا وجود له.

      فالبطلان المطلق La nullité absolue هو جزاء تخلف ركن من أركان العقد أو تخلف أحد شروط أي ركن من هذه الأركان ، في حيــن أن البطـلان النسبي La nullité rélative هو جزاء نقص أهلية أحد العاقدين أو تعيب إرادته بعيب من عيوب الرضاء (كالغلط والتدليس والإكراه والاستغلال) ، وجرى الفقه على تسمية العقد الباطل بطلانا مطلقا بالعقد الباطل وتسمية العقد الباطل بطلانا نسبيا بالعقد القابل للإبطال.

ثالثاً : الفرق بين البطلان والفسخ :

      يختلف البطلان عن الفسخ ، فالبطلان جزاء تخلف ركن من أركان العقد أو تخلف أحد شروط ركن من هذه الأركان ، سواء كان العقد ملزما لجانب واحد أو ملزما لجانبين ، في حين أن الفسخ La résiliation جزاء عدم تنفيذ الالتزام الناشئ عن العقد ، وهو لا يتصور إلا إذا كان العقد ملزما لجانبين ، حيث يمكن لأي متعاقد في حالة امتناع العاقد الآخر عن تنفيذ التزامه في العقد أن يدفع هو الآخر بعدم التنفيذ أو أن يطلب فسخ العقد.

      فالبطلان جزاء يلحق عقدا معدوماً لا وجود له إن كان بطلاناً مطلقـاً ، أو يلحق عقداً صحيحا مهددا بالإبطال لعدم صحة الرضاء أولنقص الأهلية إذا كان البطلان بطلانا نسبيا ، في حين أن الفسخ يلحق عقدا صحيحا مستقراً غير مهدد بالزوال في حالة الامتناع عن تنفيذ التزامات العقد ، على أن يراعى أن فسخ العقد يترتب عليه زوال العقد بأثر رجعي ، فيصير متشابها مع البطلان من حيث أثره على العقد .

رابعاً : الفرق بين البطلان وعدم النفاذ :

      يختلف البطلان بمعناه السابق عن عدم النفاذ أو ما يسمى بعدم السريان ، حيث إن الأخير يمثل جزاءً على مخالفة قاعدة أخرى غير القواعد الخاصة بتكوين العقد ، كقاعدة عدم جواز تصرف الشخص في ملك غيره أو قاعدة عدم جواز إضرار المدين بحقوق دائنيه ، فمثلا إذا أجَّرَ شخص عقارا مملوكا لغيره ، فإن عقد الإيجار رغم كونه صحيحا بين طرفيه إلا أنه يكون غير نافذ في حق مالك العقار الذي  له الحق في تجاهل هذا العقد وإخراج المستأجر من العقار ، وكذلك الحال إذا تصرف المدين في أمواله تصرفا يضر بدائنيه كأن يؤدي هذا التصرف إلى إعساره أو زيادة إعساره ، فإنه يكون من حق الدائنين الطعن على هذا التصرف بدعوى عدم نفاذ التصرف ، بحيث إذا توافرت شروط هذه الدعوى فإن هذا التصرف رغم صحته إلا أنه يصير غير نافذ في حق الدائنين ([1]) .

ونتناول فيما يلي البطلان المطلق مبينين أحواله ، وخصائصه ،على التفصيل الآتي :

البطـــلان المطلــق
أولا : حالات البطلان المطلق :

      يعتبر العقد باطلا بطلانا مطلقا عند توافر إحدى هاتين الحالتين :

الحالة الأولى :

      إذا تخلف ركن من أركان العقد أو تخلف شرط من شروط أحد هذه الأركان ، وذلك على التفصيل الآتي :

أ –   تخلف ركن الرضاء لانعدام إرادة أحد العاقدين أو لعدم تطابق إرادتيهما.

ب– إذا لم تتوافر شروط المحل من حيث الوجود أو التعيين أو المشروعية.

ج – إذا لم تتوافر شروط السبب بأن كان السبب المادي للالتزام غير موجود أو كان السبب الباعث إلى التعاقد غير مشروع.

د – تخلف الشكل في العقود الشكلية ، وتخلف التسليم في العقود العينية.

الحالة الثانية :

      إذا وجد نص في القانون يقضى ببطلان العقد ، مثال ذلك ما تنص عليـه المادة 492 مدني مصري بقولها ” تقع هبة الأموال المستقبلة باطلة” ، وما تنص عليه المادة 131 من بطلان التعامل في تركة إنسان على قيد الحياة إذ يجري النص على أنه : ” 1- يجوز أن يكون محل الالتزام شيئاً مستقبلاً. 2- غير أن التعامل في تركة إنسان على قيد الحياة باطل، ولو كان برضاه، إلا في الأحوال التي نص عليها في القانون.” ([2]) .

ثانياً : خصائص البطلان المطلق :

      يتميز البطلان المطلق بالخصائص الآتية ([3]) :

1 لا يزول البطلان بالإجازة :

      الإجازة عمل قانوني يصدر من جانب واحد بغرض غض الطرف عما شاب صحة رضائه بسبب نقص أهليته أو تعيب الرضاء بأحد العيوب المفسدة له. وبذلك فهي لا ترد إلا على عقد صحيح مهدد بالزوال والإبطال بسبب نقص في الأهلية أو تعيب في الرضاء ، لتضفي عليه طابع الاستقرار فيستقر على إثرها صحيحا على الدوام ، وبالتالي فلا يتصور ورودها على العقد الباطل باعتباره عقداً معدوماً لا يتصور له أي وجود قانوني أو واقعي ، لأنه عقد مات قبل أن يولد أو ولد ميتا ، والإجازة لا تحيى عقدا من عدم.

2 لكل ذي مصلحة حق التمسك بالبطلان :

      العقد الباطل عقد معدوم يجوز لكل ذي مصلحة أن يتمسك به ، ويعتبر ذا مصلحة كل من له حق يتأثر بوجود العقد أو بطلانه ، وبالتالي لا يجوز لمن له مصلحة مجردة من أي حق أن يتمسك ببطلان العقد ، كجار يتمسك ببطلان عقد إيجار جاره كراهية في مجاورته له أو تاجر يتمسك ببطلان عقد شركة مجاورة له تفادياً لمنافستها له ، فمثل هذه المصلحة مجردة عن الحق فلا يعتد بها قانوناً ([4]) .

      وبناء على ما سبق يكون لأي من العاقدين أن يتمسك بالبطلان حتى وإن كان البطلان قد جاء من ناحيته ، حيث يترتب على البطلان استرداد أدائه لدى الطرف الآخر ، كما يثبت حق التمسك بالبطلان للخلف العام ([5]) لهذين العاقدين أي للورثة والموصى له بحصة في التركة ، كما يثبت هذا الحق للخلف الخاص لهما ([6]) ، كما يثبت لدائني العاقدين حق التمسك بالبطلان ، لأنه إذا كان العقد بيعا وأبطل العقد استرد البائع المبيع فيمكن لدائنيه أن ينفذوا عليه بحقهم باعتباره أحد عناصر الذمة المالية لمدينهم والتي تمثل ضماناً عاماً لدائنيه ، كما يمكن لدائني المشترى أن ينفذوا بحقهم على الثمن الذي يعود إلى ذمة المشترى.

    ويمكن للمحكمة أن تقضى بالبطلان من تلقاء نفسها ، إذا عرض عليها نزاع ورأت أن العقد محل النزاع به حالة من حالات البطلان المطلق سالفة الذكر ، كما لو كان العقد صادراً من عديم الأهلية أو كان الرضا غير موجود لعدم تطابق الإرادتين أو كان العقد شكليا وتخلف الشكل المطلوب له قانونا كهبة غير رسمية، فعندئذ تقضى المحكمة بالبطلان من تلقاء نفسها ولو لم يطلب منها ذلك أحد أصحاب المصلحة فـي البطلان ، بل إن ذلك واجب على المحكمة يتعين عليها أداؤه ، وليس مجرد حق أورخصة تستعملها أو لا تستعملها (م 141 مدني مصري([7])).

3- التقادم يرد على دعوى البطلان ولا يرد على الدفع به :

      على الرغم من أن العقد الباطل عقد معدوم لا وجود له ، إلا أن القانون اتجه إلى إسقاط حق التمسك بالبطلان بطريق الدعوى بمضي خمسـة عشرة سنة من تاريخ إبرام هذا العقد الباطل (م 141 مدني مصري) ، وذلك رغبة في الحفاظ على استقرار المعاملات بعد مضي هذه الفترة الزمنية الطويلة.

      بيد أن سقوط حق طلب بطلان العقد الباطل بالتقادم لا يعني أن هذا العقد قد انقلب صحيحا بين طرفيه بمضي مدة التقادم ، وإنما يظل عقدا معدوما لا وجود له بين طرفيه أو بالنسبة لغيرهما ، غاية ما هنالك أن مثل هذا العقد لا تسمع دعوى مبتدأة ببطلانه.

      وإذا كان التقادم يرد على دعوى البطلان ، فإنه لا يرد على الدفع بـه ، لأن الدفع بالبطلان لا يثير خصومة قضائية فهو لا يعدو عن كونه مجرد تمسك بأمر واقع فالعقد الباطل عقد معدوم لا أثر له ، ولذلك يمكن للعاقد الذي سقط حقه في رفع دعوى البطلان بالتقادم أن يجد ضآلته في التحصن بالدفع بهذا البطلان إذا طالبه العاقد الآخر بتنفيذ العقد ، كما لو طلب المشتري بعقد باطل من البائع تسليمه المبيع حيث يمكن للبائع أن يرد طلبه بالدفع ببطلان العقد ، وإذا حدث أن قام البائع بتسليمه المبيع فإن له الحق في رفع دعوى الاستحقاق لاسترداده فهي لا تسقط بالتقادم ، وإذا تمسك المشتري في مواجهة طلبه في هذه الدعوى بالعقد كان له أن يدفع ببطلان هذا العقد ([8]) .

      ويرى جانب من الفقه – وبحق – أن تأبيد ” الدفع بالبطلان” هو الذي يمنع من تنفيذ عقد باطل مهما طال الزمن ، وهو ما يترتب عليه تحقيق قدر من العدالة التي قد نفتقدها بسبب تقادم دعوى البطلان ، ذلك أنه قد يحدث ألا يثير أي من الطرفين مسألة بطلان العقد طوال فترة التقادم وحتى اكتمالها ، ولكن قد يطلب أحدهما التنفيذ بعد هذه الفترة ، وهنا يكون الدفع بالبطلان هو خير وسيلة لرد هذه المطالبة ([9]).

4- لا يحتاج البطلان إلى اتفاق أو حكم لإنشائه :

      لا شك أن العقد إذا كان باطلا فلا حاجة للعاقد ذي المصلحة في هذا البطلان أن يتفق مع العاقد الآخر على بطلانه أو أن يرفع دعوى لإنشائه ، نظرا لأنه عقد معدوم الوجود  في ذاته لا يترتب عليه أثر – كقاعدة عامة – سواء بين طرفيه أو بالنسبة لغيرهما من أصحاب المصلحة في التمسك بهذا البطلان ، وبالتالي يمكن لذوي المصلحة في البطلان أن يرتبوا شئونهم على هذا الأساس ، فيكون للشخص الذي باع عقارا له بعقد باطل أن يتصرف في هذا العقار على أساس انعدام العقد الأول لكونه باطلاً ، كما أنه من حق دائنيه أن يقوموا بالتنفيذ على هذا العقار بوصفه أحد عناصر ذمة مدينهم ، ويكون من حق البائع إذا رفع عليه مشتري العقار دعوى يطالبه فيها بتسليمه المبيع بموجب هذا العقد الباطل أن يرد هذه الدعوى عن طريق الدفع ببطلان عقد البيع.

      بيد أنه قد يكون من مصلحة من يتمسك ببطلان العقد الباطل أن يقوم برفع دعوى مبتدأة أمام القضاء للمطالبة بتقريره ، لاسيما إذا كان سبب البطلان مثار جدل واختلاف بين طرفي العقد مما يستوجب تدخل القاضي لحسم النزاع بينهما بشأنه ، كما لو كان سبب البطلان يرجع إلى الباعث النفسي الدافع إلى التعاقد والمشوب بعدم المشروعية ، على أن يراعي أن القاضي إذا أصدر حكما بالبطلان بعد التثبت من توافر سبب النطق به فإن حكمه لا يعد منشئا لهذا البطلان وإنما يعد حكماً كاشفاً ومقرراً لعقد باطل أصلاً .


([1]) أ.د/ سمير تناغو بند 80 ، ص90.

([2]) وفي هذا قضت محكمة النقض بأنه : ” مفاد نص المادة 131 /2 من القانون المدنى أن جزاء حظر التعامل في تركة إنسان على قيد الحياة هو البطلان المطلق الذى يقوم على إعتبارات تتصل بالنظام العام لمساسه بحق الإرث”

(الطعن 1083 لسنة 52 قضائية ، جلسة 6-2-1986 مجموعة المكتب الفني س 37 ق 44 ص 185)

([3]) تتبدى خصائص العقد الباطل واضحة وجلية من نص المادة 141 /1 من التقنين المدني المصري الذي يجري على أن : “1- إذا كان العقد باطلاً جاز لكل ذي مصلحة أن يتمسك بالبطلان, وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها، ولا يزول البطلان بالإجازة.”.

([4]) ولا جرم أن الفصل في مدى وجود أو انتفاء المصلحة المعتبرة قانوناً لدى طالب هذا النوع من البطلان مسألة موضوعية تدخل في نطاق السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع تقضي فيها على ضوء الظروف والمعطيات الخاصة بكل قضية على حده ، دون أن تخضع في ذلك لرقابة محكمة النقض ، متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة مقبولة .

([5]) الخلف العام : هو كل من يخلف غيره في ذمته المالية كلها أو في حصة منها كالوارث الذي يخلف مورثه في كل ما يتركه من مال ، والموصى له بحصة في التركة في حدود الثلث أو أقل من ذلك.

([6]) الخلف الخاص : هو من يخلف غيره في عين بذاتها كمشترٍ يخلف البائع في عين معينة باعها له أو موصى له بعين محددة في التركة.

([7]) تنص المادة 141 من التقنين المدني المصري على أنه : “1- إذا كان العقد باطلاً جاز لكل ذي مصلحة أن يتمسك بالبطلان, وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها، ولا يزول البطلان بالإجازة.

2- وتسقط دعوى البطلان بمضي خمس عشرة سنة من وقت العقد.”

([8]) تنظر في هذا المعنى : أ.د/ سمير تناغو بند 86 ، ص89 ، أ.د/، محمد إبراهيم دسوقي بند 124 ، ص134 ، أ.د/ علي نجيدة ص 187 ، أ.د/ حمدي عبد الرحمن ص396.

([9]) أ.د/ حمدي عبد الرحمن ص397.

تعليقات فيس بوك
Sending
User Review
5 (1 vote)

عن الكاتب

محمد خالد شرف المحامي بالنقض

محامي حر ومستشار قانوني لأكثر من تسعة عشر عاما ،أنشأت هذه المدونة إثراء للمحتوى والفكر القانوني المصري والعربي على شبكة الأنترنت ،ولمساعدة زملائي المحامين وخاصة المبتدأين منهم في الوصول إلى المعلومة القانونية الصحيحة في بداية مسيرتهم المهنية.

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.