بحث | الوساطة في المنازعات العمالية كإجراء وجوبي يسبق رفع الدعوى القضائية في النظام السعودي

Photo by Sora Shimazaki from Pexels

  • تمهيد:

تعتبر الوساطة من أهم وسائل حل المنازعات وتسويتها ، بين عموم الأفراد ، والأسر ، والقبائل ، بل والشركات الحديثة بمختلف أنواعها ومجالاتها.

وفي تسوية النزاعات عن طريق الوساطة ومن ثم الصلح صيانة لأمن المجتمع ، وصفاء للنفوس ، فضلا عن العديد من المصالح التي يحققها تصفية النزاعات عن طريق الوساطة من توفير للوقت والجهد والمال ، ورفع العبء عن القضاء الذي قد يمنعه تكدس المنازعات عن تحقيق العدالة الناجزة .

  • أولا: أهمية البحث :

يستمد هـذا البحـث أهميته مـن أهميـة الموضوع الذي يتناوله، إذ الوساطة في حل المنازعات العمالية تعتبر أحد الحلول لمشكلة تكدس القضايا أمام المحاكم ، ومن ثم تخفيف العبء عنها؛ من خلال تفعيل الوسائل التي تؤدي إلى الإصلاح بين الخصوم (العامل ، ورب العمل) ، فضلا عن تخفيف العبء عن المتنازعين أنفسهم ؛ إذ يتطلب الترافع إلى القضاء كثير من الجهد والوقت ، فضلا عن المال الذي يبذل للوكلاء والمحامين والخبراء نظير ما يقومون به من دراسات وأعمال.

  • ثانيا : أهداف البحث :

يسـعى البحـث إلـى تحقيـق هـدف أساسـي يتمثـل فـي التعـرف على حقيقة الوساطة في تسوية النزاعات ، وخاصة الوساطة كوسيلة لتسوية المنازعات العمالية باعتبارها إجراء وجوبي يسبق رفع الدعوى إلى مجلس القضاء.

  • ثالثا : مشكلة البحث

مع تعاظم أهمية قطاع العمل والعمال في الدولة المدنية الحديثة ، ظهرت بعض الإشكالات القانونيـة؛ نظر للتفاوت الواضح بين أطراف علاقة العمل ؛إذ هما غيــر متكافئيــن مــن حيــث الإرادة والرضــا والوضع الاقتصادي([1])، فالعامل بحاجـة إلـى العمـل من أجل إشباع حاجاتـه المعيشية؛ وهو ما يؤدي به في غالب الأحيان  إلـى النزول عند شـروط صاحـب العمـل في شأن أوضاع وشروط العمل وهو ما قد ينشأ عنه العديد من المنازعات، وهو الأمر الذي يستلزم حسمها على وجه السرعة ؛ مما يفرض على القضاء عبئا كبيرا ، فضلا عما يفرضه من أعباء مادية وجهد ووقت ؛ ومن هنا ظهرت الحاجة إلى الوساطة كأحد طرق تسوية المنازعات العمالية لما تتسم به من مرونة وسرعة ومحافظة على العلاقات الودية بين اطراف المنازعة ، فضلا عن الحرية في اختيار وابتكار الحلول للنزاعات بعيدا عن جمود النصوص النظامية.

  • رابعا- منهج البحث:

اعتمدنا في هذا البحث المنهـج التحليلـي مـن أجـل تحليـل بعض النصـوص التشـريعية المرتبطة بموضـوع البحـث واستخلاص دلالتها ، للتعـرف علـى مفهوم الوساطة لغة واصطلاحا ونظاما ، وأنواعها ، بالإضافة إلى بيان مفهوم الوساطة في المنازعات العمالية كإجراء وجوبي يسبق رفع الدعوى العمالية إلى القضاء

  • خامسا : خطة البحث :
  • المبحث الأول : مفهوم الوساطة في تسوية المنازعات
  • المطلب الأول : تعريف الوساطة في تسوية المنازعات
  • الفرع الأول: التعريف اللغوي
  • الفرع الثاني: تعريف الوساطة في الاصطلاح
  • الفرع الثالث : أنواع الوساطة في تسوية المنازعات
  • المطلب الثاني : الوساطة في منازعات العمل في المملكة العربية السعودية
  • الفرع الأول: تعريف الوساطة في تسوية المنازعات العمالية
  • الفرع الثاني: تحديد المنازعات التي يجب عرضها على مكتب العمل للوساطة قبل رفع الدعوى
  • المبحث الثاني : القيود الواردة على الوساطة كوسيلة لتسوية المنازعات العمالية

المبحث الأول

مفهوم الوساطة في تسوية المنازعات

للتعــرف علــى مفهوم الوساطة في تسوية المنازعات، ســيتم تقســيم هــذا المبحــث إلــى مطلبيــن، وذلــك علـى النحـو التالـي:

المطلب الأول:

تعريف الوساطة في تسوية المنازعات

الفرع الأول: التعريف اللغوي

تعريف الوساطة:

الوساطة في اللغة : التوسط بين اثنين أو اكثر.

ويطلق لفظ الوسيط في اللغة على الحسيبُ في قومه ، والعدل الخيار.

يقال : (( فلان وسيط في قومه : إذا كان أوسطهم نسبا وأرفعهم محلا))[2]

قال ابن فارس : (( الواو والسين والطاء بناء صحيح يدل على العدل والنَّصف))

ومن ذلك قوله تعالى : ( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)[3] ، أي عدلا خيارا[4]

ويطلق الوسيط على المتوسط بين المتخاصمين ، وقد يدل على المتوسط بين المتبايعين [5]

جاء في الصحاح : (( التوسط بين الناس : من الوساطة))[6]

وجاء في القاموس المحيط : (( توسط بينهم : عمل الوساطة)[7]

الفرع الثاني : تعريف الوساطة في الاصطلاح

عُرفت الوساطة بأنها : (( الوساطة هي التدخل في النزاع أو المفاوضات من قبل طرف ثالث محايد ، وغير متحيز ، ومقبول من الطرفين ، وليس لديه أية قوة أو سلطة لاتخاذ أو فرض قرار بهدف مساعدة اطراف النزاع في التوصل طواعية إلى تسوية مشتركة مقبولة من كل منهما لمعظم أو كل موضوعات النزاع))[8]

كما عرفها البعض بأنها : (( هي العملية التي يحاول الأطراف المتنازعة من خلالها أن يحلوا خلافاتهم بمساعدة طرف ثالث مقبول ، ويسمى (الوسيط) ؛ وذلك بهدف مساعدة الأطراف بطريقة تطوعية في الوصول لاتفاقية خاصة بهم))[9]

الفرع الثالث : أنواع الوساطة في تسوية المنازعات

تتنوع الوساطة في تسوية المنازعات إلى أنواع عدة باعتبارات متعددة ؛ فمن أنواع الوساطة:

الوساطة القضائية : وتتم من خلال القاضي الذي ينظر في النزاع القضائي ، بحيث يعرض الصلح للطرفين قبل البت في القضية ، وقد طرأ على هذا النوع من الوساطة تطورا كبيرا حتى صار هناك محاكم ومراكز قضائية متخصصة في النظر في قضايا الوساطة.

الوساطة الخاصة : وتتم من خلال القضاة المتقاعدين ، أو المحامين ، والمهنيين من ذوي الخبرات ، على أن يكونوا معتمدين من وزارة العدل أو من الجهة التي خولها النظام إصدار مثل هذا الاعتماد.

الوساطة الاتفاقية : وتتم من خلال الوسيط المتفق عليه من قبل اطراف النزاع.

المطلب الثاني :

الوساطة في منازعات العمل في المملكة العربية السعودية

الفرع الأول: تعريف الوساطة في تسوية المنازعات العمالية

يمكن تعريف الوساطة في تسوية منازعات العمل بأنها :

(( مرحلة وجوبية تسبق رفع الدعوى العمالية أمام القضاء يتم خلالها محاولة الإصلاح بين صاحب العمل والعامل بشكل ودي))

وتتم الوساطة باللجوء إلى مكتب العمل لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتسوية النزاعات العمالية قبل رفع الدعوى إلى القضاء ، وقد صارت الوساطة أمرا وجوبيا بمقتضى قرار رئيس مجلس الوزراء رقم (117) وتاريخ 21-2-1440هـ ؛ ومن ثم لا تملك المحاكم العمالية أن تنظر المنازعةالعمالية ما لم تكن مسبوقة باللجوء إلى مكتب العمل المختص[10] لإجراء التسوية بين أطراف النزاع.

ووفقا لنص المادة السابعة من القواعد والإجراءات المنظمة للتسوية الودية في الخلافات العمالية المعدل بقرار وزير العمل والتنمية الاجتماعية رقم 57167 وتاريخ 20-3-1440هـ يجوز أن تكون جميع إجراءات الوساطة إلكترونية ، ويكون لها حكم المحررات المكتوبة وفقا لنظام التعاملات الإلكترونية.

الفرع الثاني: تحديد المنازعات التي يجب عرضها على مكتب العمل للوساطة قبل رفع الدعوى

يؤخذ من نص المادة العاشرة من القواعد والإجراءات المنظمة للتسوية الودية في الخلافات العمالية المعدل بقرار وزير العمل والتنمية الاجتماعية رقم 57167 وتاريخ 20-3-1440هـ أن المنازعات التي يجب عرضها على مكتب العمل هي :-

  1. المنازعات المتعلقة بعقود العمل والأجور والحقوق وإصابات العمل والتعويض عنها.
  2. المنازعات المترتبة على الفصل من العمل.
  3. المنازعات المتعلقة بإيقاع صاحب العمل الجزاءات التأديبية على العامل.
  4. المنازعات المتعلقة بالعمال الخاضعين لأحكام نظام العمل
  5. المنازعات الناشئة عن تطبيق أحكام نظام العمل ولائحته التنفيذية والقرارات الصادرة تنفيذا له.

المبحث الثاني

القيود الواردة على الوساطة كوسيلة لتسوية المنازعات العمالية

القيد الأول: عدم جواز المصالحة والإبراء عن حقوق العامل الناشئة عن عقد العمل:

وفقا لنص المادة (2) من القواعد والإجراءات المنظمة للتسوية الودية في الخلافات العمالية المشار إليها تبطل المصالحة والإبراء على الحقوق الناشئة عن عقد العمل بشرطين :

الشرط الأول : متى كانت مخالفة لنظام العمل ، ويستثنى من ذلك ما يثبت وقوعه بعد انتهاء العقد ، وأن يتبين للمصلح أن إرادة العامل قد اتجهت إليها.

الشرط الثاني : إذا وقعت المصالحة أو الإبراء أثناء سريان العقد.

القيد الثاني: عدم جواز مباشرة المصلح (الوسيط) عملا يدخل في حدود وظيفته في الدعاوى التي تتعلق بمصلحته هو أو زوجته أو أقاربه أو أصهاره إلى الدرجة الرابعة.

[ المادة 3 من القواعد والإجراءات المنظمة للتسوية الودية في الخلافات العمالية]

————–

المراجع:

  • القرآن الكريم

الكتب :

(1)- د. عبد العزيز عبد المنعم خليفة: الأحكام العامة لعقد العمل الفردي، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2004م

(2)-  الصحاح للجوهري 3/974

(3)- مقاييس اللغة لابن فارس 6/108

(4)- المعجم الوسيط ص 1031

(5)- القاموس المحيط ص 894

 (6)- الوساطة كأحد الحلول البديلة لحل المنازعات ، يحيى الفرا ، ص1

(7)- الوساطة في تسوية المنازعات ، دراسة فقهية ، د. عبد الله بن محمد العمراني

(8)- الوساطة في تسوية المنازعات التجارية ، د. أحمد بن خالد بن أحمد العبد القادر ، رسالة دكتوراة ، المعهد العالي للقضاء ، جامعة الإمام محمد بن سعود 1439هـ

ثانيا : الدوريات والمجلات :

–  الوساطة ودور الطرف الثالث في تسوية المنازعات ، د. منير بدوي ، مجلة دراسات مستقبلية ، العدد 8 ، ص 76.


[1] – د. عبد العزيز عبد المنعم خليفة: الأحكام العامة لعقد العمل الفردي، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2004م

[2] – الصحاح للجوهري 3/974

[3] – سورة البقرة – الآية 143

[4] – مقاييس اللغة لابن فارس 6/108

[5] – المعجم الوسيط ص 1031

[6] -مختار الصحاح 3/975

[7] – القاموس المحيط ص 894

[8] – الوساطة ودور الطرف الثالث في تسوية المنازعات ، د. منير بدوي ، مجلة دراسات مستقبلية ، العدد 8 ، ص 76.

[9] -الوساطة كأحد الحلول البديلة لحل المنازعات ، يحيى الفرا ، ص1

[10] – وينعقد الاختصاص لمكتب العمل الذي يقع مكان العمل في نطاق اختصاصه وفقا لنص البند (أولا) من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 117 وتاريخ 21/2/1440هـ ، وهو ما نصت عليه أيضا المادة الحادية عشرة من القواعد والإجراءات المنظمة للتسوية الودية في الخلافات العمالية المعدل بقرار وزير العمل والتنمية الاجتماعية رقم 57167 وتاريخ 20/3/1440هـ

تعليقات فيس بوك
Sending
User Review
5 (1 vote)

عن الكاتب

محمد خالد شرف المحامي بالنقض

محامي حر ومستشار قانوني لأكثر من تسعة عشر عاما ،أنشأت هذه المدونة إثراء للمحتوى والفكر القانوني المصري والعربي على شبكة الأنترنت ،ولمساعدة زملائي المحامين وخاصة المبتدأين منهم في الوصول إلى المعلومة القانونية الصحيحة في بداية مسيرتهم المهنية.

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.