المسئولية التقصيرية 1-3 | الخطأ التقصيري | مفهومه | أركانه | تطبيقات هامة | حالات مشروعية الخطأ

الصورة بواسطة Andrea Piacquadio من Pexels

المسئــــوليـة عن الفعل الشخصـي

      لا تشذ المسئولية عن الفعل الشخصي في أركانها عن بقية الأنواع الأخرى للمسئولية التقصيرية كالمسئولية عن عمل الغير والمسئولية عن عمل الأشياء، فمتى توافرت لها الأركان العامة للمسئولية متمثلة في ركن الخطأ وركن الضرر وركن السببية التي تربط بين الخطأ والضرر، التزم المسئول بتعويض المضرور عن الضرر الذي أصابه ، إعمالاً للمبدأ العام المستقر عليه في معظم القوانين والتشريعات الذي يقضي بأن كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض ( م 163 مدني مصري ).

      ولا شك في أن مساءلة المرء عن فعله الشخصي مسئولية تقصيرية تستوجب توافر الأركان العامة الثلاثة لهذه المسئولية ، ويمثل ركن الخطأ الدعامة الأولى والركيزة الأساسية، وهو خطأ واجب الإثبات، بخلاف الحال في النوعين الآخرين للمسئولية التقصيرية واللذين يقومان على فكرة الخطأ المفترض غير واجب الإثبات كمسئولية الشخص عن عمل الغير (كمسئوليته عمن تحت رقابته ومسئوليته عن تابعه) ومسئولية الشخص عن عمل الأشياء (أي مسئوليته كحارس عن الأشياء الخاضعة لحراسته الفعلية)، إذ ينبغي أن يصدق على هذا الفعل الشخصي لمساءلة الشخص عنه وصف الخطأ التقصيري ( فيتحقق في هذا الفعل الركن المادي للخطأ المتمثل في ركن الانحراف والتعدي عن سلوك الشخص المعتاد، والركن المعنوي للخطأ المتمثل في ركن الإدراك والتمييز) ، كما يلزم حدوث ضرر معين بشخص معين أيا كان هذا الضرر ( أي سواء أكان ضررا ماديا أم ضررا أدبيا)، فلا يتصور مطلقا قيام المسئولية بدون ضرر، حتى مع وجود الخطأ المنسوب لشخص معين، وأخيرا يتعين وجود علاقة سببية تربط بين ضرر المضرور وخطأ المسئول، وإلا تعذر قيام المسئولية.

      وسنوالى تباعا – بمشيئة الله تعالي – عرض أركان المسئولية التقصيرية عن الفعل الشخصي في محاور ثلاثة على التفصيل التالي:

الخــطأ التقصــــيري
أولاً : معنى الخطأ التقصيرى :

      قد يبدو لأول وهلة صعوبة إيجاد تعريف دقيق ومحكم يكشف لنا النقاب عن دلالة الخطأ التقصيري، نظرا لتعذر استقصاء ما قد يندرج تحته من مظاهر السلوك الإنساني، فضلا عن صعوبة استبعاد أنماط السلوك الإنساني الأخرى التي لا تندرج تحت دلالته، بيد أن الفقه لم تثنه هذه الصعوبات عن بذل محاولات جـادة في هذا المضمار للوصول إلى تعريف جامع مانع لمعنى الخطأ التقصيري.

      وقد أثمرت هذه المحاولات الفقهية عن تقعيد معنى الخطأ التقصيري بصورة تجعله صالحا لاستيعاب كافة أنماط السلوك الإنساني الضارة أو المؤذية للآخرين ماديا أو أدبيا، حيث تتلاقى وجهات نظر الفقهاء على تعريف الخطأ التقصيري بأنه الإخلال بالالتزام القانوني الذي يمنع من الإضرار بالغير [1] ، ذلك أن القانون قد ينص في نصوص خاصة على عدم جواز الإضرار بالغير ، فيمثل الإخلال بها خطأ تقصيريا يستوجب مساءلة الشخص عنها مسئولية مدنية إلى جانب مساءلته عنها جنائيا، كتحريم ارتكاب الأفعال الإجرامية التي تشكل جرائم جنائية، وقد يضع القانون نصا عاما يفرض من خلاله واجبا أو التزاما عاما بعدم الإضرار بالغير.

ثانياً : ركنا الخطأ التقصيرى :

      ولا تكتمل للخطأ دلالته من مجرد اقتراف المرء سلوكاً إيجابياً أوسلبياً يحيد به عن مقتضى الالتزام القانوني الخاص أو العام بعدم الإضرار بالغير، وإنما ينبغي إلى جانب ذلك أن يكون مدركاً لمعنى هذا الالتزام ولما يأتيه من سلوك مخالف له ، إذ لا  يتصور نسبة الخطأ إلى الصبي غير المميز أو المجنون أو المعتوه فيما يصدر عنه من أفعال أوسلوكيات مؤذية لغيره لانعدام عنصر الإدراك أو التمييز في حقه، وبذلك يتضح لنا أن للخطأ ركنا معنويا لا يقوم الخطأ إلا به يتمثل في ركن الإدراك أوالتمييز، إلى جانب ركنه المادي المتمثل في ركن التعدي أو الانحراف بالسلوك عن مقتضى الالتزام القانوني بعدم الإضرار بالغير. ولذلك أرى تعريف الخطأ التقصيري بأنه “الإخلال الواعي بالسلوك عن مقتضى الالتزام القانوني الذى يوجب عدم الإضرار بالغير”. فللخطأ ركنان : ركن مادي ، ركن معنوي على التفصيل التالي :-

(1)
الركـن المادي للخطـأ

      يتحقق الركن المادي للخطأ بانحراف المرء بسلوكه على نحو يخل فيه بالتزامه القانوني بعدم الإضرار بالغير، سواء أكان هذا الانحراف عن عمد أم بإهمال وتقصير من جانبه. وهنا يفرض التساؤل نفسه لتحديد متى يوصف سلوك المرء بالانحراف والتعدي ليتسنى لنا اعتباره مخلا بالتزامه القانوني بعدم الإضرار بالغير، هل نقيس سلوكه وفقا لمعيار شخصي ذاتي أم وفقا لمعيار موضوعي مجرد؟.

      لا شـك أن الاعتماد على معيار شخصي ذاتي لمعرفة الانحراف أو عدم الانحراف في سلوك المرء لا يسلم من مظاهر الإفراط أو التفريط في محاسبة مرتكب هذا السلوك، إذ أنه سيؤدي حتما إلى التشدد في مؤاخذة الشخص الحريص على أدنى درجات الإهمال أو التقصير ولو كان ذلك أمرا متسامحا فيه بالنسبة لشخص معتاد في نفس ظروفه، والتفريط في نفس الوقت في مؤاخذة الشخص المهمل على أبشع مراتب الإهمال والتقصير مادام أن ذلك من مألوف عاداته وطباعه، هذا بالإضافة إلى ما يسببه هذا المعيار من صعوبة ومشقة للقاضي في سبيل وقوفه على الظروف الخاصة والذاتية لكل من تثار بشأنه المسئولية التقصيرية عن أفعاله الشخصية، الأمر الذي يستوجب رفض مثل هذا المعيار في قياس الانحراف كركن مادي للخطأ في السلوك [2] .

      ونظراً لمثالب المعيار الشخصي الذاتي فلم يبق أمامنا سوى التعويل على معيار موضوعي مجرد يقاس سلوك المرء على أساسه ، ألا وهو معيار الشخص المعتاد ، والشخص المعتاد – من وجهة نظري – هو شخص متوسط الصفات والخصائص في كل أموره وشئونه التي يحتمل إثارة المسئولية التقصيرية (أو حتى المسئولية العقدية) بشأنها، فهو ليس بخارق الصفات والخصائص والمؤهلات ولا بمحرومها أو عديمها، وكان بين ذلك قواما، فهو كطبيب مثلا يعد طبيبا متوسط العلم والخبرة والذكاء، وهو كقائد سيارة متوسط القيادة والحنكة….الخ.

      ولا شك في أن الأخذ بمعيار الشخص المعتاد كمعيار موضوعي مجرد يقاس عليه سلوك المسئول، يملى على القاضي عند التقدير مراعاة الظروف الخارجية التي أحاطت بالشخص عند إتيانه الأعمال المثارة بشأنها المسئولية، كظروف الزمان وظروف المكان. فالطبيب الذي يجرى جراحة في زمن كانت فيه وسائل الجراحة المعتادة بدائية وبسيطة، يكون الشخص المعتاد كمعيار لقياس سلوكه في إجراء الجراحة هو طبيب في نفس ظروف زمانه، بعكس الطبيب الذي يجري جراحة لمرضاه في زمن شاعت فيه الوسائل الحديثة المتطورة لإجراء الجراحات، حيث يكون الشخص المعتاد – كمعيار لقياس مدى الخطأ في سلوكه – هو الطبيب المعتاد في نفس ظروف زمانه المتطور، ونفس الأمر بالنسبة لظروف المكان لابد أن يأخذه القاضي في اعتباره عند تقدير مدى الخطأ في سلوك المسئول على ضوء معيار الشخص المعتاد في نفس ظروف المكان التي وجد فيها المسئول، وبالتالي لا يمكن أن نحاسب طبيبا اضطر لإجراء جراحة عاجلة لمريض كان في رحلة ترفيهية بالقطار ولم يكن معه سوى بعض الأدوات الطبية البسيطة اللازمة للإسعافات الأولية، نفس محاسبة طبيب آخر أجرى نفس الجراحة لمريض في عيادته الخاصة المجهزة أوبمستشفى مهيأة ومعدة بكافة الوسائل والأجهزة الطبية الحديثة ، إنما يختلف معيار الشخص المعتاد بالنسبة لكليهما مراعاة لظروف المكان التي وجد فيها كل واحد منهما .

      كما أن من يقود سيارته في طريق متعرج أو لزج ليس كمن يقود سـيارته على طريق ممهد أو خال من اللزوجة، ومن يقود سيارته ليلا أو في مكان يغص بالناس ليس كمن يقود سيارته في مكان خال من الناس، حيث يختلف الشخص المعتاد كمعيار لقياس مدى الانحراف والتعدي في سلوك كل واحد منهم بحسب الظروف الخارجية المحيطة به لحظة صدور السلوك عنه.

      ويتسم معيار الشخص المعتاد كمعيار موضوعي مجرد بعدم الاعتداد بالظروف الذاتية أو الشخصية للشخص المثارة مسئوليته التقصيرية عن أفعاله وسلوكياته الشخصية، فليس للطبيب أن يتذرع بسوء مزاجه الشخصي لتعرضه لحادث أسرى أليم مما أفقده حسن التركيز أثناء الجراحة فارتكب خطأ جسيما على غير العادة في حق مريضه، وليس لقائد السيارة الذي دهم أحد المارة فأصابه في أحد أجزاء جسمه أن يتذرع بظروفه الخاصة للتحلل من المسئولية كأن يدعي ضعف بصره الذي أفقده رؤية المضرور أو أن يدعي أنه لا يزال لا يحسن القيادة لكونه في مراحل التدريب عليها أو أنه أنثى فلم تحسن التحكم في القيادة وسط الزحام، إلى غير ذلك من التذرع أو التعلل بالظروف الذاتية.

(2)
الركـن المعنوي للخطـأ

      يعتبر الخطأ التقصيري سلوكا ملاما أخلاقا وقانونا، يستتبع مؤاخذة فاعله عليه قانونا متى ثبتت مسئوليته عنه أمام القضاء بتوقيع جزاء مادي في صورة إلزامه بتعويض المضرور عما أحدثه به من ضرر إلى جانب الجزاء المعنوي الأخلاقي المتمثل في تأنيب الضمير واحتقار المجتمع له، لذلك كان أمراً طبيعيا أن يشترط لاكتمال معنى الخطأ في سلوك الشخص أن يتوافر لديه عنصر الإدراك أو التمييز، فمن غير المقبول عدالة وعقلا مؤاخذة عديم التمييز على سلوكه وإن كان ضارا وذلك مرده إلى عدم إدراكه لمعنى الخطأ وعدم قدرته على معرفة معنى الواجب القانوني الذي يحظر عليه الإضرار بغيره، فالإدراك قوام الخطأ، والخطأ قوام المسئولية، وبالتالي فلا مسئولية لعديم التمييز عن فعله الشخصي كالمجنون والمعتوه والصبي غير المميز، لتخلف عنصر الإدراك لديه كأحد عنصري الخطأ [3] .

      لذلك تتجه كافة القوانين إلى ربط المسئولية بالتمييز، فتشترط لتحقق الخطأ كركن أساسي لقيام المسئولية توافر عنصر الإدراك أو التمييز إلى جانب عنصر الانحراف أو التعدي ، وفي ذلك تقول المادة 164 مدني مصري: ” يكون الشخص مسئولا عن أعماله غير المشروعة ، متى صدرت منه وهو مميز”.

      بيد أنه وإن تعذر قيام مسئولية عديم التمييز على أساس الخطأ الشخصي لانعدام ركن الإدراك أو التمييز لديه كأحد ركني الخطأ، إلا أنه يمكن مساءلته عن فعله الضار على أساس آخر وهو تحمل التبعة أو فكرة الضمان في أى من الحالات الآتية :-

أولاً : الحالة الأولــى :

      إذا تعذر الحصول على تعويض للمضرور عن الفعل الضار الصادر عن عديم التمييز، سواء أكان ذلك راجعا إلى عدم وجود مسئول عن عديم التمييز يمكن للمضرور الرجوع عليه (حيث يسمح القانون للمضرور بالرجوع على متولي الرقابة إذا أضر به من تحت رقابته كالصبي غير المميز ومن في حكمه، على أساس أن خطأه في الرقابة عليه كان سببا في وقوع الفعل الضار من المشمول برقابته) أم كان ذلك راجعا إلى تعذر رجوع المضرور على المسئول عن عديم التمييز رغم وجود من يتولى الرقابة عليه ، وذلك لقدرة متولي الرقابة على نفي الخطأ عن نفسه أو لإعساره .

      ففي هذه الحالة يجوز للقاضي وفقا لنصوص التقنين المدني المصري أن يحكم على عديم التمييز بدفع تعويض عادل يراعي في تقديره الظروف الخاصة لكل من المضرور والمسئول، بمعنى أنه إذا كان عديم التمييز غنيا والمضرور فقيرا، فإنه عادة ما يحكم القاضي له بتعويض كامل عن الضرر الذي أصابه، أما إذا كان عديم التمييز متوسط الحال والمضرور في نفس حالته المالية، فعادة ما يكتفي القاضي بإلزام عديم التمييز بتعويض جزئي عن الضرر الذي أصابه، وقد يرى القاضي ألا يحكم على عديم التمييز بأي تعويض إذا كان المضرور غنيا وعديم التمييز فقيرا أو رقيق الحال [4] .

ثانياً : الحالة الثانية :

      إذا كان انعدام التمييز أو الإدراك في جانب المسئول عن الفعل الضار راجعا إلى فعله، كما لو كان انعدام إدراكه راجعا إلى تناوله مادة مسكرة أو مادة مخدرة أو تعرضه الاختياري للتنويم المغناطيسي.

ثالثاً : الحالة الثالثة :

      إذا كان عديم التمييز متبوعا أو حارسا لحيوان أو لبناء أو لآلة ميكانيكية ، حيث يسأل رغم عدم تمييزه عن خطأ تابعه أو فعل الحيوان أو عن تهدم البناء أو فعـل الآلة الميكانيكية في مواجهة المضرور على أساس فكرة الضمان، فهو ملتزم بضمان خطأ تابعه الذي يقع منه أثناء تأدية عمله لديه أو بسبب هذا العمل ، كما أنه ضامن للضرر الذي يصيب المضرور من فعل الأشياء التي تحت حراسته كفعل الحيوان أو تهدم البناء أو فعل الآلة الميكانيكية.

(3)
بعض تطبيقات فكرة الخطأ التقصيري

      نظرا لأن الالتزامات القانونية التي توجب عدم الإضرار بالغير (سواء كانت التزامات محددة في نصوص خاصة كتلك التي تحرم ارتكاب أفعال معينة أو كانت التزامات مأخوذة من المبدأ العام الذي يمنع الإضرار بالغير) يصعب – إن لم يستحل – حصرها، فإن فكرة الخطأ التقصيري تتسع تبعاً لذلك في دلالتها لتضم بين جنباتها ألوانا شتى وصورا متعددة من مظاهر السلوك الإنساني الضار بالغير.

      فقد يتحقق الخطأ التقصيري بسلوك إيجابي أو بسلوك سلبي، وقد يتحقق من خلال سلوك عمدي أو سلوك غير عمدي، وقد يتحقق في صورة خطأ مهني يصدر عن الشخص أثناء مباشرة مهنته، أو صورة التعدي على حق من الحقوق أو في صورة التعسف في استعمال الحق….إلخ. ومجمل القول فى مقام المسئولية عن العمل غير المشروع أن كل سلوك ينحرف فيه المرء عن سلوك الشخص المعتاد في نفس ظروفه ، فيؤذي به غيره  الذي لا تربطه به علاقة عقدية أو ترتبط هذه العلاقة مع كون السلوك الضار منبت الصلة عن هذه العلاقة ، يعد خطأ تقصيريا يستوجب مسئوليته متى تضرر الغير منه.

      وها نحن نحاول عرض بعض تطبيقات الخطأ التقصيري من وحي النصوص التشريعية والاتجاهات الفقهية والقضائية، على سبيل البيان والتمثيل لا الحصر والتعيين ، وذلك على التفصيل الآتي :-

  • أولاً : الخطأ بسلوك إيجابي أو بسلوك سلبي :

      لا جرم أن الشكل الغالب والصورة المعتادة  للخطأ أن يكون وليد سلوك إيجابي Condiute ou action  positive   ينحرف به صاحبه عن مسلك  الشخص المعتاد الذي في نفس ظروفه، فيلحق بالغير ضرراً مادياً أو أدبياً ، مثال ذلك أن يدهم شخص آخر بسيارته فيقتله أويصيبه بكسور أو جروح ، أو أن يتشاجر اثنان فيطعن أحدهما الآخر بسكينة أو مطواة، أو يسب شخص آخر أو يقذفه، إلى غير ذلك من الأفعال الإيجابية التي تضر بالآخرين خروجا على مقتضى الالتزامات القانونية التي تحظر كل مظاهر السلوك الإنساني الضارة بالغير.

      بيد أنه قد يتحقق الخطأ أيضا من خلال السلوك السلبي L’action négative ، والذي يتخذ في واقع الحياة إحدى صورتين : الصورة الأولى تسمى بالامتناع أثناء الفعل، وخير مثال لها ما يصدر عن الإنسان من إهمال أثناء مباشرته أي نوع من أنواع النشاط الإنساني، كراكب الدراجة يهمل في وضع إضاءة بها أثناء سيره بها ليلا فيصطدم بها أحد المشاة ، وكصاحب دار في طور البناء والتشييد يحفر بئرا أمام داره لأغراض البناء ثم يهمل فيتركه دون غطاء أو علامة تكشف عنه ، فيسقط بها أحد المارة .

      ولا شك في أن الامتناع أثناء الفعل – كإحدى صورتي السلوك السلبي للخطأ – يعتبر خطأ تقصيرياً يستوجب مسئولية صاحبه في مواجهة المضرور، فالشخص الذي يصطدم بالدراجة – كما في المثال الأول – يستطيع الرجوع على صاحبها بالتعويض لأن امتناعه عن وضع إضاءة بدراجته رغم سيره بها في طريق مظلم يعتبر سلوكا منحرفا عن سلوك الشخص المعتاد فيصدق عليه وصف الخطأ المتسبب في اصطدام الغير بها، كما أن من يقع في البئر فيصيبه ضرر في المثال الثاني من حقه الرجوع على صاحب الدار بالتعويض، لأن امتناعه عن تغطية البئر أو عن وضع إشارة واضحة تحذر من خطر الوقوع به، يمثل إهمالا وتقصيرا يتحقق به وصف الخطأ لانحرافه به عن سلوك الشخص المعتاد.

      أما الصورة الثانية للسلوك السلبي فتتمثل في الخطأ عن طريق الامتناع المحض أو الامتناع البسيط، والذي يتخذ فيه المرء موقفا سلبيا محضا غير متصل بأي نشاط يقوم به من مظاهر أو أنماط النشاط الإنساني ، كأن يمتنع عن إغاثة شخص أحدق به خطر من الأخطار دون أن يساهم هو في وجود هذا الخطر، ففي هذه الصورة لا يؤاخذ المرء على عدم مراعاته لإجراء وقائي معين لحظة إتيانه نشاط معين من الأنشطة كما في الصورة الأولي، وإنما يؤاخذ على سلبيته المحضة التي تتبدى في عدم تحركه مطلقا أو امتناعه المحض عن التصرف لدرء خطر محدق بغيره لم يكن له أدني دخل أو مشاركة في وجوده.

      وقد أثير التساؤل حول مدى اعتبار الامتناع المحض خطأ تقصيريا يستوجب مسئولية صاحبه، فذهب القضاء الفرنسي إلى اعتباره خطأ تقصيريا يرتب المسئولية في حق صاحبه في حالة وجود واجب قانوني امتنع المسئول عن القيام به، كأن يمتنع رجل الإسعاف أو الشرطة عن نقل مصاب بالطريق العام إلى إحدى المستشفيات لإسعافه، حيث يعد امتناعه خطأ تقصيريا يستوجب مسئوليته، لأن القانون يوجب عليه نقل المصابين لإسعافهم، وامتناعه يعد إخلالا بهذا الواجب القانوني، أو أن يمتنع مسئول الإنقاذ في حمامات أحد النوادي عن إنقاذ شخص يشرف على الغرق، بعكس الحال إذا انتفى وجود هذا الواجب القانوني أو كان هناك مجرد واجب أخلاقي، حيث لا يعد الامتناع المحض خطأ تقصيريا، ولا تقوم المسئولية في حق صاحبه .

      وأعتقد من جانبي أنه إلى جانب قيام المسئولية في حق صاحب الامتناع البسيط أو المحض حينما يكون هذا السلوك السلبي المحض مخالفاً لواجبه القانوني الذي يحظر عليه مثل هذا الامتناع، فإنه قد يتصور قيام المسئولية في حق الممتنع امتناعا بسيطا ولو لم يكن عليه واجب قانوني محدد يحظر عليه هذا الامتناع، متى كان امتناعه ينطوي على معنى الانحراف أو التعدي عن مسلك الشخص المعتاد الذي في نفس ظروفه ، فيصدق عليه وصف الخطأ التقصيري الموجب لقيام المسئولية في حقه ، كما لو رأى أحد المارة على شاطئ البحر شخصا مشرفا على الغرق فيمتنع عن إنقاذه رغم قدرته على ذلك دون خطر يحدق به بوصفه يجيد السباحة، أما إذا كان الامتناع البسيط يخلو من الانحراف عن مسلك الشخص المعتاد فلا يعد خطأ ولا تقوم المسئولية تبعا لذلك، كما لو أن شخصا رأى غيره مشرفا على الغرق وكان بمفرده ولم يكن يحسن السباحة .

      وهذا القول مني لا غرابة فيه فهو عين ما يؤخذ به فقهاً وقضاءً عند محاسبة المرء عن خطئه التقصيري الذي يقع منه بسلوك إيجابي ، حيث تثبت مسئوليته أو تنتفي على ضوء مدى انحرافه في سلوكه أوعدم انحرافه عن سلوك الشخص المعتاد ، فلماذا لا نعول إذن على نفس المعيار عند مؤاخذته عن خطئه التقصيري الذي يقع منه بسلوك سلبي فنقيم هذا السلوك السلبي وفقاً لمعيار الشخص المعتاد الذي في نفس ظروفه .

  • ثانياُ : الخطأ بسلوك عمدي أو سلوك غير عمدي :  

      قد يتمخض الخطأ عن سلوك عمدي، وقد يتمخض عن سلوك غير عمدي، ويصدق على السلوك وصف الخطأ العمدي La faute intentionnelle ، حينما تتجه فيه إرادة صاحبه إلى الفعل والنتيجة معاً، مثال ذلك أن يرى شخص غريما له في الطريق فيسرع بسيارته إليه ليصدمه بها أو أن يرمي شخص سيجارة مشتعلة في مخزن ورق مملوك لأحد أعدائه ليحرق هذا المخزن فتلتهم النار كل ما بالمخزن، ففي هذين المثالين أراد الشخص الفعل وأراد تحقيق النتيجة المترتبة على هذا الفعل.

      في حين يصدق على سلوك المرء وصف الخطأ غيرالعمدي La faute non-intentionnelle ، عندما تتجه إرادة صاحبه إلى الفعل وحده دون أن تتجه إلى إحداث النتيجة التي ترتبت عليه، مثال ذلك أن يرمي شخص عقب سيجارة مشتعلة بجوار محصول جاره دون أن يقصد أي ضرر به فإذا بها تمتد إلى المحصول فتجعله حطاماً ، أو أن يقود المرء سيارته بسرعة جنونية فيصطدم بسيارة أخري أو يصيب أحد المارة ، ففي هذين المثالين نجد أن الشخص قد أراد الفعل بإتيانه له ، ولكنه لم يرد النتيجة التي أسفرت عنه.

      ويتدرج الخطأ غير العمدي على درجتين، فقد يكون خطأ جسيما، وقد يكون خطأ يسيرا تبعا لدرجة الإهمال والتقصير فيه، فالخطأ الجسيم هو ذلك الخطأ الذي يكون فيه التقصير بليغا والإهمال فاحشا لدرجة تقربه من مصاف الخطأ العمدي ، فهو خطأ لا يقع من أدني الناس تبصراً وحيطة ، مثال ذلك أن يرمي المرء عقب سيجارة على مقربة من هشيم محصول فتحرقه أو بجوار محطة بنزين فتحترق، دون أن يكون قاصدا هذه النتيجة، بعكس الخطأ اليسير فهو خطأ بسيط ينطوي على قدر قليل من الإهمال والتقصير، ويخضع تقدير جسامة الخطأ أو عدم جسامته لسلطة قاضي الموضوع [6] .

      وتنعقد المسئولية بتوافر ركن الخطأ- مع بقية الأركان الأخرى-أيا كان وصف الخطأ أو درجته، لأن الهدف من هذه المسئولية هو تعويض المضرور عن الضرر الذي أحدثه له هذا الخطأ، ويقدر التعويض بقدر الضرر بصـرف النظر عما إذا كان الخطأ المتسـبب فيه خطـأ عمدياً أو خطأ غير عمدي (وسواء كان هذا الخطأ يسيراً أو جسيماً) ، غاية ما هنالك أن وصف الخطأ قد يؤثر في بعض قواعد المسئولية المدنية ، ففي نطاق المسئولية العقدية لا يجوز الاتفاق علـى الإعفـاء مـن المسئولية أو التخفيف منها في حالتي الخطأ العمدي والخطأ الجسيم، كما لا يجوز التأمين من نتائج الخطأ العمدي، في حين يجوز التأمين من نتائج الخطأ غير العمدي سواء كان جسيما أو يسيرا، هذا بالإضافة إلى أنه وإن كان التعويض في نطاق المسئولية العقدية لا يشمل إلا الضرر المباشر المتوقع لحظة التعاقد دون الضرر غير المتوقع ، إلا أنه في حالتي الخطأ العمدي والخطأ الجسيم يشمل التعويض كل من الضرر المباشر المتوقع وغير المتوقع، وفي نطاق المسئولية التقصيرية نجد أن الخطأ العمدي يستغرق الخطأ غير العمدي فيسأل صاحب الخطأ العمدي عن الضرر وحده دون صاحب الخطأ غير العمدي، مثال ذلك أن يتجاوز المرء الحد الأقصى لسرعة السيارة في الطريق السريع ثم يفاجأ بمن يرمي نفسه أمامه بقصد الانتحار، فخطأ المضرور المتعمد يستغرق خطأ السائق غير المتعمد، فلا تقوم المسئولية في حق السائق رغم ثبوت الخطأ في جانبه.

  • ثالثاً : الخطأ المهني  La faute professionnelle :    

      بادئ ذء بدء يعتبر التخصص الذي يمارسه الشخص وصفا لمهنته وليس وصفا لشخصه وذاته، وبالتالي فهو يعد من الظروف الخارجية التي ينبغي الاعتداد بها عند قياس مدى الانحراف في سلوكه عن مسلك شخص معتاد في نفس ظروف مهنته، فهو ليس ظرفا ذاتيا حتى نخرجه عن معيار القياس لهذا الانحراف، الأمـر الذي يستوجب قياس سلوكيات أصحاب المهن المختلفة بمعيار شخص معتاد في نفس المهنة التي يمارسها المسئول، فنقيس سلوك الطبيب بسلوك طبيب معتاد، ونقيس سلوك المحامي بسلوك محامي معتاد ……إلخ.

      ولقد كان القضاء الفرنسي في بادئ الأمر يميل إلى عدم التشدد في مسئولية الطبيب، وذلك رغبة منه في توفير قدر كاف من الاطمئنان لهم أثناء مباشرة أعمالهم الطبية دون خشية ملاحقاتهم مدنيا بالتعويض عن أدني خطأ يصدر عنهم، من أجل ذلك كان يذهب إلى عدم مساءلة الطبيب إلا عن الأخطاء الجسيمة فقط دون الأخطاء اليسيرة، ثم عدل عن هذا المسلك لما له من خطورة على حياة المرضي وصحتهم مستقرا على ضرورة محاسبتهم عن أخطائهم أيا كانت درجاتها لحملهم على بذل الحرص الكامل في معالجة مرضاهم وعدم التهاون في أداء واجباتهم الطبية، ولحماية الثقة التي يودعها فيهم مرضاهم وهم يأتمنونهم على أغلى ما يملكونه في الدنيا ألا وهو حياتهم وصحتهم [7] .

   ويثور التساؤل حول ما إذا كان التخصص داخل مهنة الطب يمثل ظرفاً ذاتياً أوداخلياً Une circonstance subjective ou intérieure فلا يدخل في قياس مدي الانحراف في سلوك الطبيب ، أم أنه يشكل ظرفاً خارجياً Une circonstance extérieure فيعتد به في هذا القياس؟

      ذهب رأي في الفقه والقضاء الفرنسيين إلى أن التخصص داخل مهنة الطب لا ينبغي أن يعتد به عند تقدير القاضي لمدى الانحراف في سلوك الطبيب ، باعتباره ظرفاً ذاتياً ، وبالتالي تجري محاسبة الطبيب الأخصائي وفقاً لمعيار الطبيب المعتاد غير الأخصائي، في حين يرى البعض الآخر – وهو ما نرجحه – أن التخصص الذي وصل إليه الطبيب الأخصائي هو وصف لمهنته كطبيب وليس وصفا لشخصه ، وبالتالي فهو يعد ظرفاً خارجياً وليس ظرفا ذاتيا، على نحو يوجب ضرورة مراعاته عند قياس سلوك الطبيب ، فيقاس سلوك الطبيب الأخصائي وفقاً لمعيار الطبيب الأخصائي المعتاد ، وليس وفقا لمعيار الطبيب العام المعتاد ، لاسيما وأن المريض يعول عادة على تخصص الطبيب حينما يودع فيه ثقته لمعالجته أو لإجراء إحدى الجراحات له.

      أما الذي يمكن أن يمثل ظرفا ذاتيا بين الأطباء الأخصائيين فلا يدخل في قياس مدى الانحراف في سلوك الطبيب الأخصائي ، التميز والبراعة التي يهبها الله عز وجل لبعض الأخصائيين في مهنة الطب ، فحينما يتمتع أحد الأخصائيين أو نزر يسير منهم بقدرات خاصة يصير معها نابغة في تخصصه ومتميزا عمن سواه من الأطباء الذين يشاركونه ذات التخصص ، فإن براعته وتفرده يعد – من وجهة نظري – ظرفا ذاتيا لا يدخل في معيار قياس سلوكه عند إثارة المسئولية في مواجهته ، الأمر الذي يحتم قياس سلوكه وفقا لمعيار موضوعي مجرد ألا وهو معيار الطبيب الأخصائي المعتاد ، وليس وفقا لمعيار شخصي أو ذاتي ألا وهو معيار الطبيب الأخصائي البارع أو النابغة.

  • رابعاً : مجاوزة حدود الحقوق أو الحريات العامة :

      لا غرو أن تحرص القوانين والتشريعات على تأكيد حق الإنسان في مباشرة كافة حقوقه أو حرياته العامة داخل المجتمع ، كحقه في التنقل والتملك والتعبير عن الرأي …… إلخ ، شريطة أن تجرى ممارسته لها في حدود القانون وعلى نحو خالٍ من مظاهر التجاوز الضار بالآخرين ، فالمرء مثلا من حقه أن يعبر عن رأيه فلا يمكن لأحد أن يجحده هذا الحـق ، ولكن ينبغي ألا يتجاوز الحدود المرسومة لهذا الحق فيسب غيره أو يقذفه ، حيث يمثل هذا السلوك تجاوزا محظوراً قانوناً كسـلوك إجرامي ، فضلا عن اعتباره خطأ تقصيريا يستوجب مسئوليته مدنيا عنه في مواجهة المضرور.

      كما أن للمرء أن يمارس حق التقاضي ، فليس لأحد أن يمنعه من ممارسـة هذا الحق ، غير أنه إذا تجاوز حدود الحق برفع دعاوى كيدية أو توقيع حجوز كيدية أو رفع دعاوى تفليس كيدية ، كان ذلك التجاوز خطأ تقصيريا يستوجب مسئوليته عنه في مواجهة المضرور.

  • خامساً : الاعتداء على الحق :

      إن أيَّ اعتداء على حق من الحقوق يمثل خطأ تقصيريا يستوجب مسئولية مرتكبه ، وذلك أيا كان نوع هذا الحق أو طبيعته.

      فالاعتداء L’atteinte الذي يقع على الحقوق العامة Les droits publics  يمثل خطأ تقصيريا يستوجب مسئولية مرتكبه ، وذلك أيا كان نوع هذه الحقوق ، أي سواء أكانت من الحقوق التي تستهدف حماية الكيان المادي للإنسان مثل حق الإنسان في الحياة وحقه في سلامة جسمه وأعضائه ، أم كانت من الحقوق التي ترمى إلى حماية الكيان المعنوي للإنسان ، كحقه في المحافظة على سمعته وشرفه وأسراره ، أم كانت من الحقوق التي ترمى إلى تمكين الإنسان من مزاولة نشاطه المشروع في المجتمع بطريقة عادية ، والتي تضم الحريات الشخصية والرخص العامة التي تثبت للأشخاص كافة مثل حرية التنقل ، وحرية التملك ، وحرية العمل ، وحرية الإقامة ، وحرية الرأي والعقيدة ، كما أن الاعتداء الذي يقع على الحقوق المالية بكل أنواعها الثلاثة (كالحقوق العينية ، والحقوق الشخصية ، والحقوق الذهنية) يمثل خطأ تقصيريا يستوجب مسئولية مرتكبه في مواجهة المضرور صاحب هذا الحق المعتدى عليه.

  • سادساً : التعسف في استعمال الحق :

      لا جدال في أن المرء إذا خرج عن حدود حق من حقوقه أوانحرف في استعمال رخصة من الرخص التي منحها له القانون ، فإنه يكون مخطئا خطأ تقصيريا يرتب مسئوليته في مواجهة المضرور. ولكن التساؤل الذي يفرض نفسه يدور حول ما إذا كان من المتصور وجود معنى الخطأ في الحالة التي يتعسف فيها المرء في استعمال حقه أو في مباشرة سلطة من سلطاته ، دون أن يخرج في سلوكه عن حدود هذا الحق أو حدود سلطاته عليه ؟

      ذهب جانب من الفقه الفرنسي وعلى رأسهم “بلانيول” إلى الخلط بين الخروج عن الحق وبين التعسف فيه ، على أساس أن كل تعسف في استعمال الحق يمثل في الواقع خروجا عن هذا الحق ، فالحق ينتهي ببدء التعسف فيه ، في حين يذهب الراجح في الفقه في كل من فرنسا ومصر إلى التسليم بوجود فرق واضح وجلي بين الخروج عن الحق وبين التعسف في استعمال الحق ، مما يجعل كل واحد منهما صورة مستقلة من صور الخطأ التقصيري ، فالخروج عن الحق هو خروج عن حدود الحق وتجاوز لسلطاته ، كمن يقيم بناء على أرضه ويجاوز هذه الأرض فيبنى على جزء من أرض جاره ، بعكس الحال بالنسبة للتعسف في استعمال الحق فهو إساءة أو انحراف في مباشرة إحدى سلطات الحق الداخلة في نطاقه وحدوده دون مجاوزة ، كمن يقيم حائطا شاهقا في أرضه بهدف حجب النور والهواء عن جاره ، فهو قد أساء استعمال سلطاته كمالك دون أن يخرج عن حدود أرضه التى يملكها.

  • صور التعسف في استعمال الحق :

      لاشك أن المرء إذا استعمل حقه استعمالا مشروعا لا يتصور مساءلته ولو لحق غيره ضرر من جراء ذلك (م4 مدني مصري ) ، ويكون استعمال المرء لحقه استعمالا مشروعا ، متى كان استعمالا مألوفا خاليا من مظاهر التعسف أو الإساءة في مباشرة السلطات التي يخولها له هذا الحق أو إحدى هذه السلطات.

      وهنا يفرض التساؤل نفسه على الفور لمعرفة متى يتحقق التعسف في اسـتعمال الحق أو بمعنى آخر ما هي صور التعسف في استعمال الحق ، التي تمثل أخطاءً تقصيرية تستوجب مسئولية المرء في مواجهة المضرور ؟

      لقد حصر القانون المدني المصري صور التعسف في استعمال الحق في صور ثلاث لا يخرج انحراف المرء بسلوكه عن أحدها عند استعماله لحقه ، فنص على أن “يكون استعمال الحق غير مشروع في الأحوال الآتية (م5 مدني مصري) :

( أ ) إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير.

(ب) إذا كانت المصالح التي يرمى إلى تحقيقها قليلـة الأهميـة ، بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها.

(ج) إذا كانت المصالح التي يرمى إلى تحقيقها غير مشروعة.

            فالمرء الذي يستعمل حقه لا لشيء إلا بقصد الإضرار بغيره ينحرف بسلوكه عن مسلك الشخص المعتاد الذي ينأى بنفسه عن تعمد الإضرار بغيره عند مباشرة حقه أو إحدى سلطات هذا الحق ، فمن يبني جدارا شاهقا في أرضه من غير حاجة إليه ، قاصداً الإضرار بجاره ليحجب عنه الضوء والهواء ، يعد متعسفا في استعمال حقه ، ومرتكبا لخطأ تقصيري ، لانحرافه بسلوكه عن مسلك الشخص المعتاد ، على أن يراعي ضرورة أن يلتزم المضرور بإثبات نية الإضرار به لدى المسئول عند رجوعه عليه بالتعويض.

      كما أن المرء الذي يستعمل حقه لتحقيق مصلحة تافهة أو قليلة الأهميـة بحيث لا تتناسب البتة مع حجم الضرر الجسيم الذي يصيب الغير ، يعتبر متعسفا في استعمال حقه ، ومرتكبا لخطأ تقصيري يستوجب مسئوليته عنه ، لانحرافه بسلوكه عن مسلك الشخص المعتاد ، الذي ينأى بنفسه عن التضحية بالمصالح الحيوية أو الضرورية للآخرين في سبيل تحقيق مصالحه الخاصة التافهة أو البسيطة التي يبتغي تحقيقها من وراء استعماله لحقه ، فالمالك الذي يحوط حديقته أو أرضه من جهات أربع قد تكون له مصلحة في ذلك ، غير أنها تبدو مصلحة قليلة القيمة إذا كان سيترتب على ذلك ضرر جسيم Un préjudice lourd  بجاره صاحب المتجر الذي يتسبب هذا التسوير في سد منافذ الوصول إليه من جانب عملائه أو يصعب ذلك عليهم على نحو ينفر العملاء من التعامل معه دفعا للمشقة عن أنفسهم ، مما يجعل سلوك صاحب الحديقة أو الأرض مشوبا بالتعسف في استعمال الحق ، لأن الشخص المعتاد الذي يقاس سلوكه عليه يحرص عادة على مراعاة مصالح الآخرين ولا يهدرها إلا إذا دعته إلى ذلك مصلحة أكثر إلحاحا أو على الأقل متعادلة مع حجم الضرر الذي سيصيب الآخرين من جراء استعمال حقه سعيا وراء بلوغ تلك المصلحة ، وكذلك الحال فإن صاحب الدار – لاسيما في المناطق الريفية – قد تكون له مصلحة في وجود كلب لحراسة داره ، إلا أن هذه المصلحة تبدو قليلة القيمة مقارنة بالضرر الذي سيصيب غيره ، إذا كان من شأن وجود هذا الكلب أن يفزع عملاء جاره صاحب المتجر فيصيب تجارته بالكساد ، خاصة إذا كان صاحب الدار لا يعيش في منطقة نائية تستوجب وجود حراسة الكلب لداره [9] .

      كما إنه إذا كانت المصلحة التي ينشدها المرء من وراء استعماله لحق من حقوقه مصلحة غير مشروعة Un intérêt illicite  ، عُدَ منحرفا بسلوكه عن سلوك الشخص المعتاد ، مما يجعله مرتكبا لخطأ تقصيري يستوجب المسئولية في حقه  ، مثال ذلك أن يسيئ رب العمل استعمال حقه في فصل أحد العمال فيفصله لمجرد أنه يمارس نشاطا سياسيا أو نقابيا ، أو أن يضع مالك أرض مجاورة لإحدى المطارات أسلاكا شائكة أو أعمدة مرتفعة بأرضه ليضغط بذلك على شركة الطيران لتشتري منه الأرض بسعر مرتفع .

      خلاصة القول أن التعسف في استعمال الحق بصوره الثلاث سالفة الذكر ، يمثل خطأ تقصيريا ، يتيح للمضرور من هذا التعسف الرجوع على المتعسف بالتعويض وفقا لقواعد المسئولية التقصيرية.

  • سابعاً : هل يعد العدول عن الخطبة خطأ تقصيريا أم لا ؟

      تعتبر الخِطبة (بكسر الخاء) La fiançailles وعدا بالزواج غير ملزم لأي من طرفي الخطبة يتيح لكل منهما معرفة الطرف الآخر والإحاطة بظروفه والإلمام بجوانب شخصيته ، تمهيدا لإبرام عقد الزواج.

      وبالتالي فإن العدول عن الخطبة من جانب الخاطب  Le fiancéأو من جانب المخطوبة La fiancée لا يعدو عن كونه ممارسة لحريته في الزواج أو عدم الزواج من الآخر ، فلا ينطوي في ذاته على أي مظهر من مظاهر الخطأ التقصيري ، ولا يغير من هذه الحقيقة أن يصاب أحد الخاطبين بأضرار ولو كانت جسيمة نتيجة لعدول الآخر للخطبة  ، بل حتى وإن كان العدول عن الخطبة قد تم بدون مبررات أو أسباب مقبولة تبرر لجوءه إلى الفسخ.

      ولا يجوز فرض أية قيود على حق أحد الخاطبين في العدول عن  الخطبة أو تهديده بالمسئولية عن هذا العدول عن الخطبة ، حتى وإن استطالت مدة الخطبة ، وذلك حتى لا يجبر أحد الخاطبين على زواج يكرهه ، وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأنه لا يعتبر خطأ تقصيريا العدول عن الخطبة بعد أن اسـتطال أمـدها ، ولا يجوز للقاضي أن يبحث في مبرر العدول عنها أو يطالب الخاطب بتبرير إقدامه على العدول عن الخطبة ، حتى لا يخلق القاضـي على عاتـق الخاطب التزاما بعدم العدول عن الخطبة إلا بمبرر مقبول [10].

      بيد أنه إذا اقترن العدول عن الخطبة من جانب أحد الخاطبين بأفعال غير مشروعة في حق الآخر ، عُدت خطأ تقصيريا مستوجبا المسئولية في حق مرتكبها ، والتزم بتعويض المضرور عنها وليس عن العدول عن الخطبة ، مثال ذلك أن يُشَهِّرَ أحد الخاطبين بالآخر فيسيئ إلى سمعته عند العدول عن الخطبة ، فتقوم مسئوليته لا عن العدول عن الخطبة ولكن عن تشهيره بسمعته ومساسه بأخلاقه وكرامته.

      ولاشك أن التشهير أو الإساءة لسمعة أحد الخاطبين – كعمل غير مشروع قد يقرنه الخاطب عند إنهاءه الخطبة – يمثل مظهرا من مظاهر الاعتداء على السمعة والشرف ، والذي يتصل بحق الإنسان في المحافظة على كيانه المعنوي ، وبالتالي فهو في حد ذاته خطأ تقصيري يستوجب مسئولية الخاطب عن الضرر الذي يصيب الخاطب الآخر.

(4)
حالات الاعتداء المشروع على الغير

      لقد سبق لنا أن رأينا عند دراسة الركن المادي للخطأ أن السلوك الضار بالغير يمثل خطأ تقصيريا يستوجب مسئولية مرتكبه في مواجهة المضـرور ، بيد أنه ليس كل سلوك ضار يرتب المسئولية في حق صاحبه ، إنما يلزم أن يمثل هذا السلوك انحرافا عن سلوك الشخص المعتاد، وبالتالي إذا اضطر الإنسان تحت تأثير ظروف خارجية لا دخل لإرادته  في وجودها إلى مباشرة سلوكيات ضارة في حق غـيره ، فإنه لا يعد مسئولا عن الأضرار التي تصيب الغير من جرائها، مادام أن سلوكه في ظل هذه الظروف يتطابق مع سلوك شخص معتاد في نفس ظروفه .

      فقد أباح القانون في حالات معينة اعتداء المرء على غيره، ولم يرتب المسئولية في حقه بسبب ذلك، هذه الحالات تتمثل في حالة الدفاع الشرعي، وحالة تنفيذ أمر صادر من رئيس ، وحالة الضرورة ، وذلك على التفصيل الآتـي :

الحالة الأولى
حالة الدفاع الشرعي

      تنص المادة 166 من التقنين المدني المصري على أن : “من أحدث ضررا وهو فـي حالـة دفاع شرعي عن نفسه أو أو ماله أو عن نفس الغير أو ماله ، كان غير مسئولا، على ألا يجاوز في دفاعه القدر الضروري ، وإلا أصبح ملزما بتعويض تراعي فيه مقتضيات العدالة” .

      ويتضح لنا من خلال هذا النص أنه لكي يعـد الدفـاع الشرعي La défense légale  عن النفس أو المال – كرد فعل مضاد لما يهدد الإنسان المدافع من خطر حال أو وشيك الوقوع – عملاً مشـروعاً لا يرتب المسئولية في حق صاحبه، يتعين توافر الشروط التالية :

أولاً – الشرط الأول: وجود خطر حال يهدد المرء أو غيره في النفس أو المال :

      من الطبيعي أن يكون أول الشروط الواجب توافرها لقيام حالة الدفاع الشرعي، ضرورة وجود خطر حال أو على وشك الوقوع يهدد المرء أو غيره في النفس أو المال ، على أساس أن مثل هذا الخطر يمثل العلة أو السبب في اعتبار حالة الدفاع الشرعي من أسباب الإباحة التي تجعل من الاعتداء على محدث الخطر عملا مشروعا. ولا نؤيد من يشترط لإباحة الدفاع الشرعي عن الغير أن يكون هذا الغير شخصا عزيزا على المدافع [12] ، لأن القانون لم يشترط مثل هذا الشرط، بل رخص في رد الاعتداء ، أو الخطر الذي يهدد الغير بإطلاق دون تقييد وصف الغير بكونه قريبا أو صديقا مثلا ، الأمر الذي يوجب حمل المطلق على إطلاقه فيشمل أي شخص سوى المدافع ولو كان أجنبيا عنه، لا سيما وأن هذا هو ما يتفق مع سلوك الشخص المعتاد الذي يكون في نفس ظروفه.

      ولا يلزم لإباحة رد اعتداء الصائل أو المعتدي وقوع الاعتداء أوالخطر فعلا، إنما يكفي أن يكون على وشك الوقوع وفقا لظروف الخطر أو الاعتداء، فمن يدخل شقته فيفاجأ بلص داخل الشقة حاملا سلاحا ناريا بين يديه أو سكينة، يرخص له في إطلاق الرصاص عليه، لأن خطر اعتداء اللص عليه وإن لم يقع فعلا إلا أنه يعد وشيك الوقوع.

  ثانياً – الشرط الثاني : أن يكون الخطر عملا غير مشروع :  

      ليس كل خطر يتهدد المرء أو غيره يرخص له في رده والدفاع عنه، إنما يلزم أن يكون هذا الخطر عملا غير مشروع ، وبالتالي إذا كان هذا الخطر عملا مشروعا فلا يحتج به المرء لإباحة رده له أو دفعه إياه عنه أو عن غيره، فمن تحاول الشرطة القبض عليه أو على أحد أقاربه لمسوغ قانوني ليس من حقه أن يقاوم رجالها بإطلاق الرصاص عليهم.

ثالثاً – الشرط الثالث : أن يتعين الاعتداء كوسيلة وحيدة لدفع الخطر :

      يلزم لكي يصير الاعتداء عند الخطر فعلا مباحا أو عملا مشروعاً، ألا تكون هناك وسيلة أخرى يمكن اللجوء إليها لدفع الخطر أو الاعتداء سوى العمل غير المشروع في مواجهة المعتدى، بحيث إذا كان في مقدور المهدد بالخطر الاستعانة برجال الشرطة لدرء هذا الخطر، فليس له أن يلجأ إلى التعدي في مواجهة المعتدى .

رابعاً – الشرط الرابع : عدم تجاوز الدفاع للقدر اللازم لدفع الخطر :

      ذلك أن الخطر الذي يتعرض له المدافع شخصيا أو يتعرض له غيره في النفس أو العرض أو المال يمثل ضرورة ملجئة تستوجب الدفاع، والضرورة تقدر بقدرها، وبالتالي لا يجوز للمدافع مجاوزة الحدود اللازمة لرد الاعتداء أو الخطر الذي يتهدده ، فلا يتصور أن يرخص لمن يحاول آخر صفعه على خده أو صفع غيره بإطلاق الرصاص عليه، إنما  يكفي في ذلك أن يدفعه مثلا بعيدا أو يمسك بيده التي أراد أن يضرب بها لمنعه من هذا الاعتداء .

      وعلى أية حال إذا لم يتجاوز المدافع حدود السلوك اللازم لدفع الخطـر أو رد الاعتداء فلا مسئولية عليه بشأن الأضرار التي تترتب عليه ، لانتفاء معنى الخطأ في سلوكه كركن لازم لقيام المسئولية عن الفعل الشخصي .

      في حين أنه إذا جاوز المدافع حدود الدفاع الشرعي فكان سلوكه الذي رد به الإعتداء أو الخطر مجاوزا للخطر بحيث لا يتناسب مع حجم هذا الخطر أو قدر الاعتداء، فإنه يعتبر مسئولا عن هذا التجاوز، بوصفه مخطئا في هذا القدر المتجاوز فيه عن القدر اللازم للدفاع، ولكن نظرا لأن خطأ المعتدي كان سببا في الدفاع المشوب بالتجاوز، فإن مسئولية المدافع عن هذا القدر الزائد لا تكون كاملة، حيث إننا سنكون حيال خطأ مشترك من جانب المعتدي والمدافع، فلا يحكم القاضي إلا بتعويض عادل يراعي فيه توزيع الضرر على عاتق الطرفين معا.

      وتجدر الإشارة إلى أن تقدير توافر شروط حالة الدفاع الشرعي من اختصاص قاضي الموضوع ، الذي يقضي فيه على ضوء ظروف الخطر ومدى تأثيرها على المدافع ، وفقا لمعيار الشخص المعتاد.

الحالة الثانية
حالة تنفيذ الموظف العام لأمر القانون أو أمر صادر من رئيسه

      تنص المادة 167 مدني مصري على أنه : ” لا يكون الموظف العام مسئولا عن عمله الذي أضر بالغير، إذا قام به تنفيذاً لأمر القانون أو لأمر صدر إليه من رئيس، متى كانت إطاعة هذا الأمر واجبة عليه أو كان يعتقد أنها واجبة ، وأثبت أنـه كان يعتقد مشـروعية العمل الذي وقع منه، وأنه راعي في عمله جانب الحيطة ” .

      لا جرم أن المرء يسأل عن أفعال الضارة بغيره مسئولية شخصية، ولا يحق له التحلل من مسئوليته عن هذه الأفعال بدعوى أنها كانت تنفيذا لنص القانون أو لأمر شخص آخر، فمن يقوم بإيذاء آخر أو إتلاف ماله يكون مسئولا عن خطئه التقصيري وحده، دون أن يحق له مطالبة القاضي بتقسيم التعويض الذي يحكم به بينه وبين من أمره بالإيذاء أوالإتلاف أو طلبه بتحميل المسئولية كاملة للآمر بأي منهما من باب أولـي ، لأن الشخص المعتاد لا يستجيب لنداءات الشر التي تدعوه إلى ارتكاب أفعال غير مشروعة في حق الآخرين، ولا يعيرها عادة التفاتاً [15].

      بيد أنه استثناء من هذا الأصل العام نص القانون على حالة تقوم فيها المسئولية عن الفعل الضار في حق الآمر به إذا كان هذا الفعل تنفيذا لأمره أو في حق الجهة التابع لها الموظف إذا كان تنفيذاً لأمر القانون وليس في حق من باشره في مواجهة المضرور، ألا وهي حالة الموظف العام الذي يرتكب فعلا ضارا في حق الغير تنفيذا لأمر القانون أو لأمر صادر إليه من رئيسه، فتقوم المسئولية عن هذا الفعل الضار في حق الرئيس الآمر وحده أو في حق الجهة الإدارية التي يتبعها الموظف، ويعفى من هذه المسئولية المرؤوس أو الموظف الذي باشر هذا الفعل، شريطة أن تتوافر لهذه الحالة الشروط الآتيـة :

أولاً – الشرط الأول : أن يكون مرتكب الفعل الضار موظفا عاما

      والموظف العام هو كل من يشغل وظيفة عامة بالدولة أو بإحدى الهيئات والمصالح العامة التابعة لها، وبالتالي لا يستفيد من ليس بموظف عام من هذا الاستثناء، كالوكيل الذي يباشر عملا ضاراً في حق الغير تنفيذا لأوامر الموكل، والعامل الذي يرتكب عملا ضاراً تنفيذا لأوامر رب العمل، والخادم الذي يضرب آخر بناء على أوامر مخدومه [16] .

ثانياً – الشرط الثاني : أن يصـدر الفعـل الضار تنفيـذا لأمر القانون أو رئيس واجب الطاعة أو يعتقد الموظف أو المرؤوس أن طاعته واجبة لأسباب معقولة.

      إذ ليس كل أمر بارتكاب فعل ضار من رئيس مباشر أو غير مباشر إلى مرؤوسه تجب طاعته أو يبعث على الاعتقاد في أنه واجب الطاعة، إنما يجب تقدير ذلك وفقا لمعيار موضوعي مجرد، وهو معيار الشخص المعتاد، فضابط  الشرطة الذي يصدر أمرا إلى معاونيه بالقبض على شخص من بيته واقتياده  إلى قسم الشرطة، يكون مسئولا وحده عن الأفعال الضارة التي تصدر عن هؤلاء المعاونين عند محاولة القبض عليه وعن الأضرار التي تحدث للمقبوض عليه  إذا ثبت عدم وجود مبرر قانوني يسوغ لهم القبض عليه واحتجازه عدة أيام بقسم الشرطة، لأن طاعة هؤلاء المعاونين لضابط الشرطة كرئيس مباشر لهم واجبة، وبالتالي يضحى سلوكهم متفقا مع سلوك الشخص المعتاد الذي في نفس ظروفهم ، لاسيما وأنه ليس من سلطتهم مناقشة الضابط في مدى وجـود أو انتفاء المبرر القانوني لقبضهم هذا المتهم .

      في حين أنه إذا قام أحد ضباط الشرطة أو أحد معاونيه بتعذيب أحد المتهمين في إحدى القضايا الجنائية أو السياسية، فإنه يكون مسئولا وحده عن هذا التعذيب مدنيا، ويلتزم وحده بتعويض المتهم عن الأضرار المادية والأدبية التي أصابته من جراء التعذيب، ولا يعفيه من المسئولية المدنية أو يخفف عنه أثرها (بإشراك من أمره بالتعذيب في دفع كل أو بعض التعويض) أن يكون تعذبيه للمتهم كان بأمر صدر إليه من رئيس مباشر أو غير مباشر، لأن مثل هذا الأمر غير واجب الطاعة، ولا يتطابق سلوكه بالتعذيب مع سلوك الشخص المعتاد الذي قد يكون في نفس ظروفه.

      وقد يحدث أن يقع الفعل الضار من الموظف العام تنفيذا لأمر قانوني واجب التنفيذ أو يعتقد فيه أنه واجب الطاعة ، مثال ذلك أن يداهم مجموعة من ضباط الشرطة وكرا لأحد تجار المخدرات ملقين القبض على الحاضرين ظنا منهم أن هؤلاء الحاضرين في حالة تلبس بالجريمة تستوجب قانونا إلقاء القبض عليهم ، لاسيما وأن في حوزة هؤلاء الحاضرين موادا تشبه المخدرات حملت الضباط على الاعتقاد في توافر حالة التلبس ، ثم يتبين بعد التحقيق في الأمر أن هذه المواد ليست مواد مخدرة ولكنها من مواد العطارة مثلا ، ففي هذه الحالة فإن الأفعال الضارة التي يحدثها ضباط الشرطة بهؤلاء الأشخاص أثناء محاولة القبض عليهم ، فضلا عن الأضرار الأدبية التي أصابتهم بسبب القبض عليهم بدون وجه حق لا يتحمل المسئولية عنها ضباط الشرطة ، إنما تتحملها جهة الإدارة وحدها دون أن يحق لها من بعد الرجوع عليهم بشيء مما دفعته للمضرورين.

ثالثاً – الشرط الثالث : أن يثبت المرؤوس مراعاته جانب الحيطة في تنفيذ أمر القانون أو الأمر الصادر إليه من رئيسه لتفادي تفاقم الضرر المتولد عن فعله الضار بالغير.

      كأن يثبت معاونو الشرطة الذين صدر لهم أمر واجب الطاعة من رئيس المباحث – كما في المثال السابق – أنهم حرصوا على عدم إطلاق الرصاص على الشخص حين القبض عليه رغم محاولته الهـرب منهم ، أو أنهم لم يستجيبوا لطلب ضابط الشرطة بتعذيبه خلال فترة وجوده بالقسم أو لطلبه بحرمانه من الطعام والشراب خلال هذه المدة ، أو أن يثبت ضباط الشرطة أثناء القبض على تجار المخدرات عدم محاولة إجراء القبض إلا بعد أن ظهر لهم وجود مواد معهم تشبه المخدرات ، فاعتقدوا لذلك أنهم بصدد حالة تلبس تستوجب قانونا ضروره القبض عليهم تنفيذا لأحكام القانون ، وأنهم لم يحاولوا إطلاق الرصاص عليهم إلا عند إطلاق هؤلاء الأشخاص الرصاص عليهم للفرار منهم.

      ولا شك أنه إذا توافرت هذه الشروط – والتي يخضع تقديرها لقاضي الموضوع – كان الموظف العام أو المرؤوس غير مسئول عن الضرر الذي أصاب الغير من جراء فعله، ويتحمل المسئولية كاملة وحده ذلك الرئيس الذي أصدر إلى مرؤوسه أمرا غير مشروع بارتكاب فعل ضار في حق الغير، أو تلك الجهة الإدارية التي يتبعها الموظف العام.

      ويتجه معظم الفقهاء في مصر إلى القول بانطباق نفس الحكم على الموظف العام الذي يرتكب فعلا ضارا بغيره معتقدا بحسن نية أنه يباشره تنفيذا لنص قانوني يوجب عليه ذلك باعتباره مختصا به، متى كان اعتقاده مبنيا على أسباب سائغة ومقبولة تبرره، وفقا لمعيار الشخص المعتاد، وثبت أنه قد راعى في مباشرة عمله الضار بغيره جانب الحيطة والحذر حتى لا تترتب عليه إلا أقل الأضرار.

الحالة الثالثة
حالــــــة الضــــرورة

      تنص المادة 168 مدني من التقنين المدني المصري على أنه : “من سبب ضررا للغير ليتفادى ضرر أكبر ، محدقا به أو بغيره ، لا يكون ملزما إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسبا ” .

أولاً – الشرط الأول : وجود خطر حال محدق بالشخص أو بغيره في النفس أو المال .

      فالخطر الحال بالمرء في نفسه أو ماله، أو بغيره ولو كان أجنبيا عنه في نفسه أو ماله، هو الذي يبرر إضفاء وصف الإباحة أو المشروعية على العمل الضار الذي يمارسه المرء في حق غيره من الناس، خروجا على الأصل العام الذي يسبغ صفة عدم المشروعية على الأفعال الضارة بالآخرين في الظروف العادية، مثال ذلك أن يجد المرء نفسه مضطرا إلى أن يستعمل سيارة مملوكة لجاره الغائب لينقل بها والده المريض مرضا شديدا إلى المستشفي لاسيما إذا كان يقطن في منطقة نائية ليس بها مواصلات أو وسائل اتصال أثناء الليل، أو يكسر شقة جاره ليتمكن من السيطرة على الحريق الذي حدث في شقته أو شقة جار له مستعملا منقولا ته أو وسائل الإطفاء الموجودة في شقة هذا الجار الغائب.

ثانياً – الشرط الثاني : أن يكون مصدر الخطر أجنبيا عن محدث الضرر وعن المضرور :

      كأن يكون سبب الخطر أو مصدره هو القوة القاهرة أو فعل الغير، لأنه إذا كان مصدر الخطر هو محدث الضرر، كان مسئولا عن فعله الضار مسئولية كاملة، مثال ذلك أن يقوم المرء بإحراق سيارته ثم يكسر سيارة جاره ليستعمل طفاية الحريق الموجودة بها لإطفاء الحريق الذي أشعله بنفسه، كما أنه إذا كان مصدر الخطر هو المضرور لكنا حيال حال دفاع شرعي ترخص للمرء مباشرة السلوك الضار اللازم لدرء الخطر أوالاعتداء المحدق به أو بغيره ، ولا نكون بصدد حال ضرورة.

ثالثاً – الشرط الثالث : أن يكون الخطر المراد تفاديه أكبر من الضرر الذي يحدثه المضطر بغيره :

      ذلك أنه لا يجوز للمرء لكي يتفادى وقوع ضرر بسيط أو تافه إحداث ضرر  جسيم بغيره، فهذا مما يتنافى مع اعتبارات العقل والمنطق، فليس من المقبول أن نبيح لصاحب كوخ بسيط نشب حريق في بيته فيخشى أن يمتد الحريق إلى كل ما به فيكسر باب قصر مشيد أو شقة فارهة يستعمل أثاثها أو مفروشاتها الثمينة لإخماد الحريق ، وينطبق نفس الحكم إذا كان الضرر المراد تفاديه مساويا للضرر الذي يخشى وقوعه ، حيث تقوم مسئولية الشخص في هاتين الحالتين بصورة كاملة ، بعكس الحال إذا كان الخطر المراد تفاديه جسيما مقارنة بالخطر أوالضرر الذي يصيب الغير من فعل المضطر، كمن يكسر سيارة جاره ليطفئ حريقا في أثاث منزله وما به من أشياء غالية القيمة.

      ويراعي أنه في حالة الضرورة لا يعفى المضطر من المسئولية بصورة كاملة ، على خلاف حالة الدفاع الشرعي وحالة تنفيذ أمر القانون أو أمر صادر من رئيس، ولكن تكون مسئوليته مخففة، حيث يحكم القاضي عليه بدفع تعويض عادل على ضوء اعتبارات العدالة.

      ولا شك في أن القاضي هو الذي الذي يقدر مدى توافر شروط حالة الضرورة أو عدم توافرها على ضوء الظروف والملابسات الخاصة بالخطر والفعل الضار الذي ارتكبه المرء تحت زعم وجوده في حالة ضرورة .


([1]) انظر في هذا المعنى: أ.د/ سمير تناغو بند 166، ص 226، أ.د/ محمد إبراهيم دسوقي بند 222، ص 289، أ.د/ علي نجيدة ص 344.

([2]) ذلك أن الاعتماد على معيار شخصي ذاتي سوف يؤدي إلى التناقض والتضاد في محاسبة الأشخاص عن أفعالهم الشخصية فنظلم بعضهم تارة ونحابي بعضهم تارة أخرى تبعا للظروف الخاصة الذاتية لكل مسئول منهم، فعلى سبيل المثال لو أثيرت المسئولية التقصيرية في مواجهة طبيب بارع في إحدى الجراحات متميز عن غيره ممن في نفس تخصصه، سوف نحمله المسئولية لأدنى هفوة تقع منه ولو كانت لا تشكل مظهرا من مظاهر الإهمال في عرف الأطباء الذين هم في نفس تخصصه، في ذات الوقت الذي نعفي فيه طبيبا آخر مهملا لم يبذل في عمله الجراحي أو العلاجي ما يبذله طبيب معتاد في نفس تخصصه، مادام أن مؤهلاته وخبراته لا تمكنه من تفادي مثل هذا الإهمال الذي وقع منه، وهذا هو عين الظلم والحوب في المحاسبة والمؤاخذة.

([3]) ولقد كان من مقتضى الأخذ بالمعيار الموضوعي المجرد في قياس مدى الانحراف أوالتعدي في سلوك الشخص مرتكب الفعل الضار ألا يعتد بمدى توافر عنصر الإدراك أو التمييز لديه ، على أساس أنه يعد من قبيل الظروف الشخصية أو الذاتية لمرتكب الفعل الضار، والتي ينبغي إقصاؤها عند إجراء هذا القياس، لولا الآثار والنتائج غير المقبولة التي كانت ستحدث عند استبعاد عنصر الإدراك كأحد عنصري الخطأ التقصيري، والتي تصطدم باعتبارات العدالة والأخلاق، إذ ليس من العدالة أو الأخلاق في شيء أن نؤاخذ المرء على سلوكه الشخصي الضار مع انعدام إدراكه وتمييزه لهذا السلوك، ورغم عدم قدرته على الاختيار بين إرادة الخير وإرادة الشر لديه.

ولقد استثمر أنصار نظرية تحمل التبعة ( أي أولئك الذين يرون إقامة المسئولية على أساس الضرر وحده دون اشتراط الخطأ في جانب المسئول وفقا لمبدأ الغرم بالغنم) لصالحهم ، فانتقدوا ربط المسئولية بالتمييز أو الإدراك في جانب المسئول، على أساس أن التمييز أو عدمه أمر ذاتي بمرتكب الفعل الضار فلا يجوز الاعتداد به ،كمـا أنـه لا ذنب للمضرور في أن يكون المسئول عن الضرر عديم التمييز حتى نحرمه من الحق في مطالبته بتعويض الضرر الذي أحدثه به، هذا بالإضافة إلى أنه إذا كان عديم التمييز غير قادر على  إدراك وجه الخطأ في سلوكه وتصرفه فقد يكون قادرا على دفع التعويض عن الضرر الذي أحدثه بغيره من أمواله التي يملكها، لاسيما إذا كان عديم التمييز غنيا والمضرور فقيرا (انظر في نفس هذا المعنى أ.د/ سمير تناغو بند 170، ص 232، 233).

([4]) إذ تنص المادة 164/2 مدني مصري على أنه : “ومع ذلك إذا وقع الضرر من شخص غير مميز ولم يكن هناك من هو مسئول عنه، أو تعذر الحصول على تعويض من المسئول، جاز للقاضي أن يلزم من وقع منه الضرر بتعويض عادل مراعيا في ذلك مركز الخصوم”.

([6]) فحينما يترك شخص مفتاح السيارة داخل سيارته فيستغلها آخر ليدهم بها غريما له تصادف وجوده بجوار هذه السيارة، يعتبر خطؤه خطأ يسيرا، في حين يعد خطأ الآخر الذي استغل السيارة المتروك بها المفتاح لقتل أو أصابه غريمه خطأ عمديا، ولذلك فهو يسأل وحده عن ضرر المضرور، لأن الخطأ العمدي يستغرق الخطأ اليسير غير العمدي من جانب صاحب السيارة.

([7]) V. Requête : 28 janvier 1942, D – J – p :63 , cass. c: v. 27 oct 1953 . D 1953 – J  – p :658 , 659 , cass .civ . 15 décembre 1993 .arrêt Nْ : 1653, inédit .

([9]) ويعد من تطبيقات ذلك ما نصت عليه المادة 818/2 من التقنين المدني المصري بقولها : “ومع ذلك فليس لمالك الحائط أن يهدمه مختارا دون عذر قوي ، إن كان هذا يضر الجار الذي يستتر ملكه بالحائط ” .

([10]) نقض مدني 15 نوفمبر عام 1962 – مجموعة أحكام النقض- س13 ، ص1038 .

([12]) أ.د/ محمود نجيب حسني “شرح قانون العقوبات” القسم العام، بند 189، ص 180، أ.د/ عبد الخالق حسن بند 176، ا.د/ سيمر تناغو 169، ص 229.

([15]) على أن يراعي أن التحريض على الفعل الإجرامي يمثل صورة من صور المساهمة الجنائية، فتقوم المسئولية الجنائية في حق المحرض باعتباره شريكا في ارتكاب هذا الفعل الإجرامي وتوقع عليه نفس عقوبة مرتكب الجريمة.

([16]) صحيح أن الموكل أو المخدوم أو رب العمل تقوم مسئوليته عن أخطاء وكيله أو خادمه أو عامله، باعتباره متبوعا متي كان خطأ التابع قد وقع منه أثناء تأدية وظيفتـه أوبسببها، سواء صدر خطأ التابع بأمر من المتبوع أو دون إيعاز منه بذلك، إلا أنها مسئولية تبعية ضامنة وليست مسئولية شخصية أصلية، بدليل أن المتبوع من حقه الرجوع على تابعه بما دفعه عنه من تعويض في مواجهة المضرور، بعكس الحال في مسئولية الرئيس عن أمره الصادر إلى مرؤوسه بارتكاب فعل ضار في حق الغير أومسئولية جهة الإدارة عن الفعل الضار الذي ارتكبه الموظف تنفيذا لنص القانون، حيث يعفي المرؤوس أو الموظف من المسئولية عن الفعل الضار الذي ارتكبه في حق الغير، متي توافرت الشروط النصوص عليها في المادة 169 مدني سالفة الذكر، ويتحملها الرئيس وحده أو جهة الإدارة وحدها، وهي مسئولية شخصية أصلية، بدليل أنه لا يحق للرئيس أو لجهة الإدارة من بعد الرجوع على المرؤوس أو الموظف بشيء من التعويض الذي يدفعه للمضرور عن الضرر الذي أصابه من الفعل الضار الصادر عن مرؤوسه أو الموظف تنفيذا لأمره أو أمر القانون.

تعليقات فيس بوك

عن الكاتب

محمد خالد شرف المحامي بالنقض

محامي حر ومستشار قانوني لأكثر من تسعة عشر عاما ،أنشأت هذه المدونة إثراء للمحتوى والفكر القانوني المصري والعربي على شبكة الأنترنت ،ولمساعدة زملائي المحامين وخاصة المبتدأين منهم في الوصول إلى المعلومة القانونية الصحيحة في بداية مسيرتهم المهنية.

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.