المسئولية التقصيرية 3-3 | رابطة السببية | تعدد الأسباب | تعاقب الأضرار | حالات السبب الأجنبي

الصورة بواسطة Andrea Piacquadio من Pexels

رابطــــــة السببيــــــة

تمهيــد :

      تمثل رابطة السببية Lien de la causalité  الركن الثالث المتمم لقيام المسئولية التقصيرية إلى جانب ركني الخطأ والضرر، فهي حلقة الوصل التي تربط بين ركن الخطأ وركن الضرر، بحيث لا يتصور – كقاعدة عامة – وجود المسئولية مع تخلفها وانتفائها.

      ويقصد برابطة السببية كركن لازم لقيام المسئولية أن تقوم علاقة مباشرة تربط بين ضرر المضرور وخطأ المسئول، بصورة تجعل من هذا الخطأ سبباً مباشراً لوقوع ذلك الضرر، ويخضع تقدير ثبوتها من عدمه لتقدير محكمة الموضوع باعتبارها من مسائل الواقع ([1]) .

      ولا تثور أدني مشكلة أو صعوبة حول توافر رابطة السببية بين الخطأ والضرر في الحالة التي يكون فيها خطأ المسئول هو السبب الوحيد، في حدوث ضرر المضرور، ويكون فيها هذا الضرر نتيجة طبيعية لهذا الخطأ، بل تثور الصعوبة في الحالة التي يشترك فيها أكثر من خطأ في حدوث الضرر، هل نعتد بكل الأخطاء فنجعلها في ميزان المسئولية سواء دون أن نفرق بين الخطأ اليسير منها والجسيم، أو بين الخطأ العمدي وغير العمدي، بحيث نعتبرها كلها أسبابا للضرر فيتحمل أصحابها المسئولية بقدر إسهامات أخطائهم في حدوث الضرر بالمضرور، أم أن العقل والمنطق يوجبان عند تعدد الأخطاء المساهمة في حدوث الضرر أن نعول فقط على الخطأ الرئيسي أو المنتج فنجعله وحده سببا في وقوع هذا الضرر، ونغض الطرف عن بقية الأخطاء الأخرى المساهمة مادامت أخطاءً غير منتجة في حدوث الضرر،وعندئذ يثور التساؤل على الفور حول دلالة أو معنى الخطأ الرئيسي أو المنتج الذي يعد مرتكبه هو وحده المسئول عن تعويض الضرر؟. كما تثور المشكلة أيضا في الحالة التي يتولد فيها عن الخطأ الواحد سلسلة متتالية ومتعاقبة من الأضرار، هل يعتبر مرتكب هذا الخطأ مسئولا عن جميع الأضرار الناجمة عن خطئه سواء كانت أضراراً مباشرة أم غير مباشرة، أم أن مسئوليته تقتصر فقط على الأضرار المباشرة، المتوقع منها وغير المتوقع، دون الأضرار غير المباشرة، وهذا يستوجب معرفة متى يكون الضرر مباشراً أو غير مباشر للخطأ ؟

      وإذا كان ثبوت رابطة السببية بين خطأ المسئول وضرر المضرور يؤدي إلى ثبوت المسئولية في حق المسئول والتزامه – من ثم – بتعويض المضرور عن الضرر، فإن انتفاء علاقة السببية يؤدي إلى انتفاء المسئولية، بمعنى أنه إذا تمكن المدعى عليه من نفى علاقة السببية بين خطئه وضرر المضرور انتفت مسئولتيه عن هذا الضرر، وهنا يفرض التساؤل نفسه لمعرفة الحالات التي يمكن للمدعى عليه فيها دفع المسئولية عن نفسه بنفي رابطة السببية بين خطئه وضرر المضرور؟

      وسوف نعرض لهذه المشكلات الثلاث وما يلزم لها من حلول على التفصيل الآتي :

المطلب الأول

تعدد الأسباب Pluralité Des causes

      يلزم في حالة تعدد الأسباب المساهمة في وقوع الضرر، أن نفرق بين فروض ثلاثة ، الأول استغراق أحد الأسباب المتعددة لباقي الأسباب الأخرى ، وعندئذ يتحمل المسئولية بمفرده صاحب السبب المستغرق ، والفرض الثاني: أن تتعدد الأسباب دون أن يستغرق أحدها بقية الأسباب ، وعندئذ نعول على السبب المنتج دون السبب العارض، والفرض الثالث أن تكون الأسباب المتعددة منتجة جميعها وليس من بينها أسباب عارضة وعندئذ نعول عليها جميعها ، وذلك كله على التفصيل الآتــي :

الفرع الأول
تعدد الأسباب مع الاستغراق  Pluralité Des causes Avec ľabsorption

      إذا تعددت الأسباب المساهمة في حدوث الضرر وكان أحدهما مُسْتَغْرِقَاً لبقية الأسباب الأخرى، قامت المسئولية على هذا السبب وحده دون غيره من الأسباب ، ويكون السبب مُستَغْرِقَاً لما عداه من الأسباب في هاتين الحالتين :

الحالة الأولى : يستغرق الخطأ العمدي الأخطاء غير العمدية التي ساهمت معه في حدوث الضرر. مثال ذلك أن يدفع شخص نفسه أمام سيارة مسرعة بالطريق العام بهدف الانتحار، حيث يستغرق خطأ المضرور العمدي خطأ السائق غير العمدي، أو أن ينتهز شخص فرصة سير أحد أعدائه بالطريق العام مترنحا بسبب السُكر فيدهسه بسيارته، إذ يستغرق الخطأ العمدي للسائق الخطأ غير العمدي للمضرور.

الحالة الثانية : إذا كان أحد الأخطاء سببا في وقوع غيره من الأخطاء التي ساهمت في وقوع الضرر، كان هذا الخطأ مُسْتَغْرِقَاً لبقية الأخطاء الأخرى ، وكان صاحبه هو وحده المسئول عن وقوع الضرر. مثال ذلك أن ينحرف قائد السيارة الذي يقود سيارته بسرعة عادية بسبب وجود حفرة بالطريق أحدثتها هيئة الطرق والكباري من غير أن تضع علامة تحذير بشأنها أو تتخذ أي إجراء وقائي للتحذير من مخاطرها، فيصدم أحد المارة بطريق المشاة، حيث يستغرق خطأ محدث الحفرة خطأ السائق بوصفه الخطأ المتسبب في وقوع الخطأ الآخر.

      ومتى ثبت الاستغراق    L’absorption من أحد الخطأين للآخر في أي من هاتين الحالتين، ترتبت المسئولية في حق مرتكب هذا الخطأ المستغرق La faute absorbante  وحده ، ولا تقوم المسئولية في حق مرتكبي الأخطاء المستغرقة Les fautes absorbées .

الفرع الثاني
تعدد الأسباب دون استغراق
 Pluralité des causes sans absorption

      إذا تعددت الأسباب المساهمة في وقوع الضرر ولم يثبت استغراق أحدها لبقية الأسباب الأخرى، فهل نعتد بكافة الأسباب التي ساهمت من قريب أو من بعيد في حدوث الضرر، أم أننا نتخير من بين هذه الأسباب السبب الرئيسي أو المنتج الذي يؤدي عادة في مألوف الأمور إلى وقوع هذا الضرر، ونرتب عليه المسئولية وحده دون باقي الأسباب العارضة التي لا تؤدي عادة إلى حدوث مثل هذا الضرر ؟

      ظهرت في الفقه نظريتان للإجابة على هذا التساؤل تميل إحداهما إلى الاعتداد بكافة الأسباب التي ساهمت في حدوث الضرر، دون استبعاد أحدها حتى وإن كان إسهامه في حدوث الضرر ضئيلا أو تافها، وتسمى بنظرية تعادل الأسباب، في حين تميل الأخرى إلى التركيز فقط على السبب الرئيسي أو المنتج من بين الأسباب المتعددة المساهمة في وقوع الضرر، على أساس أنه وحده السبب الذي يرتب المسئولية دون الأسباب العارضة أو غير المنتجة، وتسمى بنظرية السبب المنتج .

أولاً : نظرية تعادل أو تكافؤ الأسباب  La théorie de ľequivelence des causes :

      يرى أنصار هذه النظرية الاعتداد بكل واقعة أو سبب من الوقائع أوالأسباب التي ساهمت في وقوع الضرر، وعدم إقصاء أي واقعة أو سبب منهم، طالما أن له دورا في حدوث الضرر، ويكون للواقعة أو السبب دورٌ متعادل أو متكافئ مع بقية الوقائع أو الأسباب، إذا كان من شأن تخلفها أو تخلفه أن يؤدي إلى عدم وقوع الضرر.

      فكل سبب ساهم من بعيد أو قريب في وقوع الضرر يعتد به في مقام هذه النظرية كسبب متكافئ أو متعادل مع بقية الأسباب الأخرى المساهمة في حدوث الضرر، مادام أن استبعاد هذا السبب أو ذاك كان سيؤدي – من وجهة نظرهم – إلى عدم وقوع الضرر.

      ويبدو واضحاً مجانبة فكر هذه النظرية لوجه الحق والصواب ، وذلك لما يتولد عن تطبيق هذا الفكر من آثار ونتائج غير مقبولة عقلاً ومنطقاً، فلو تصورنا على سبيل المثال أن شخصا أهمل فترك بسيارته مفتاحها، وجاء لص فسرقها، وأثناء فراره هاربا بها دهس أحد المارة بالسيارة، فإن منطق فكر هذه النظرية يستوجب اعتبار صاحب السيارة شريكا للص في المسئولية التقصيرية عن إصابة المضرور، على أساس أنه لو غاب أي سبب منهما لما وقع الضرر بالمضرور، وهذا ما لا يمكن التسليم به، لأنه وإن كان صحيحا أن كل سبب منهما ساهم في وقوع الضرر، إلا أنه لا يعقل أن نسوي بينهما من حيث درجة التأثير في وقوع الضرر، رغم اختلاف طبيعة كل منهما ، حيث يعد خطأ صاحب السيارة في المثال – من وجهة نظري – سببا غير مباشرUne cause indirècte  لوقوع ضرر (فهو لا يؤدي في مألوف الأمور إلى ذلك الضرر)، في حين أن خطأ اللص المتمثل في قيادته للسيارة المسروقة بسرعة جنونية للفرار بها سببا مباشرا يؤدي وفقا للمجري العادي للأمور إلى حدوث هذا الضرر ، الأمر الذي يستوجب المغايرة في معاملة كل سبب منهما بالنظر إلى مدى الدور الذي لعبه في وقوع الضرر.

ثانياً : نظرية السبب المنتج أو الفعال  La théorie de la cause efficace :

      لقد ظهرت في الفقه نظرية جديدة مناهضة لفكر نظرية تعادل الأسباب التي ظهر فساد منطقها وخطورة آثارها وعواقبها، تميل إلى التركيز في مقام المسئولية عن الضرر عند تعدد أسبابه المساهمة في حدوثه، على السبب المنتج أو الفعال La Cause efficace  أو يمكن أن نسميه بالسبب الرئيسي أو الجوهري La cause Principal ou essentielle،  فهو وحده الذي ينبغي الاعتداد به لترتيب المسئولية دون غيره من الأسباب التي ساهمت معه في إحداث الضرر من الأسباب العارضة أوالثانوية التي لا تؤدي في مألوف الأمور إلى وقوع هذا الضرر .

      ويكون السبب منتجا أو رئيسيا فيرتب المسئولية إذا كان كافيا وحده إلى إحداث الضرر وفقا للمجري العادي للأمور، بحيث يكون هذا الضرر نتيجة طبيعية ومنطقية Un résultat naturelle et logique   لهذا السبب.

      وإذا طبقنا فكر هذه النظرية ومنطقها على المثال السابق فسوف نعول فقط على خطأ اللص باعتباره هو وحده السبب المنتج الذي يكفي بذاته لوقوع الضرر وفقا لمألوف الظروف والأحوال، ولا نعتد بما يكون معه من أسباب عارضة كخطأ صاحب السيارة الذي أهمل فترك سيارته مفتوحة وبهـا مفتاحها ، لأن هذا الخطأ كسبب مساهم في حدوث الضرر لا يكفي بذاته لوقوع الضرر وفقا لمألوف الظروف والأحوال.

الفرع الثالث

تعدد الأسباب المنتجة أو الفعالة Pluralité des causes efficaces

      من المتصور في حالة تعدد الأسباب المساهمة في وقوع الضرر أن تكون هذه الأسباب جميعها أسبابا منتجة وفاعلة على نحو يتعذر معه اعتبار أحد هذه الأسباب سببا عارضا أو ثانويا Une cause accessoire  أو سببا مُسْتَغْرَقاً يتلاشى أثره مع وجود السبب المُسْتَغْرِق Une cause absorbante  أو السبب المنتج أو الفعال Une cause efficace، ويتحقق ذلك بجلاء حينما يكون كل سبب كافيا بذاته لإحداث الضرر وفقا للمجرى العادي للأمور.

     ولا جرم أنه في حالة تعدد الأسباب المنتجة يتعين الاعتداد بكل سبب من هذه الأسباب في مقام المسئولية عن الضرر، بحيث تعتبر كل هذه الأسباب أخطاءً تقصيرية مشتركة Fautes délictuelles communes ترتب المسئولية في حق مرتكبيها على سبيل التضامن لمصلحة المضرور، فلو تصورنا أن شخصا كان يقود سيارته بسرعة جنونية،  وفي طريقه فوجئ بحفرة حفرها شخص آخر دون أن يجعل عليها لافتة تحذر من خطر الوقوع بها، فاضطر إلى الانحراف ناحية مكان انتظار الأشخاص فأصاب أحدهم، فإننا نكون حيال سببين منتجين يكفي أحدهما بذاته لإحداث الضرر بالمضرور وفقا للمجري العادي للأمور، فالسرعة الجنونية في القيادة تعد خطأ يؤدي عادة إلى الإضرار بالآخرين، وكذلك الحال فإن حفر أي حفرة بالطريق العام دون وجود إنذار يحذر منها لتفادي الوقوع بها يؤدي في مألوف الأحوال إلى الإضرار بالآخرين، لذلك يجب الاعتداد بهذين السببين بوصفهما من قبيل الأخطاء التقصيرية المشتركة Les fautes délictuelles communes التي ساهمت بفعالية في وقوع الضرر، بحيث يجري كقاعدة عامة توزيع المسئولية La destribution de la responsabilité  بين مرتكبي الفعل بالتساوي، هذا ما لم يقض القاضي بغير ذلك، كأن يحكم بتعيين نصيب كل مسئول في التعويض عن الضرر بما يوازي درجة مساهمة خطئه في إحداثه، كما يراعي أنه في حالة تعدد الفاعلين للفعل الضار بالغير فإن مسئوليتهم في مواجهة المضرور مسئولية تضامنية Une responsabilité solidaire بمعنى أن هؤلاء المسئولين متضامنون فيما بينهم في دفع التعويض للمضرور، بحيث يحق لهذا الأخير الرجوع عليهم مجتمعين أو منفردين بمبلغ التعويض، فيمكنه مطالبة المسئولين عن الفعل الضار مجتمعين كل بقدر حصته في التعويض المحكوم به، كما يمكنه مطالبة أحدهم بمبلغ التعويض كاملا دون أن يحق لهذا المسئول المتضامن Le responsable solidaire  أن يدفع رجوعه عليه فيما جاوز قدر حصته في مبلغ التعويض، لأن المسئول المتضامن يكون ملتزما في مواجهة المضرور بدفع مبلغ التعويض كاملا ثم له بعد ذلك أن يرجع بما زاد عن حصته على باقي المسئولين معه، وذلك مراعاة لمصلحة المضرور بهدف تيسير حصوله بسهولة على التعويض ولو من أحد المسئولين عن الفعل الضار (م 169 مدني مصري ([2])).

المطلب الثاني

تعاقـــب الأضــــرار

      لا تثور أدني مشكلة حينما يتولد عن الخطأ التقصيري ضرر واحد، حيث يمكن بسهولة نسبة هذا الضرر إلى مرتكب هذا الخطأ، نظرا لوضوح علاقة السببية بين الخطأ والضرر.

      ولا يتغير الأمر لمجرد تعدد الأضرار الناجمة عن هذا الخطأ التقصيري ، طالما أن كل واحد من هذه الأضرار قد تولد مباشرة عن الخطأ ، وعلى وجه مستقل عن غيره الأضرار (وأعني بالاستقلال في هذا المقام أن أي ضرر من هذه الأضرار لم يتولد عن غيره، وإنما نشأ نشأة مباشرة عن الخطأ)، سواء أكان المضرور شخصاً واحداً ( كما لو ترتب على السرعة الجنونية انحراف قائد السيارة واصطدامه بمنزل أحد الأشخاص فأتلف بعض أساساته، فضلا عن إصابته لصاحب المنزل في أحد أجزاء جسمه) أم كان المضرور أشخاصا متعددين ( كما لو أصاب صاحب السيارة المسرعة بطريقة زائدة سيارة مجاورة له بالطريق ، فضلاً عن إصابته أحد المارة ، وارتطامه بسيارته بكوخ مجاور للطريق العام فأسقط بعض أجزائه) حيث يسهل رغم تعدد الأضرار إثبات علاقة السببية بين هذه الأضرار وخطأ صاحب السيارة، نظرا لأن هذه الأضرار رغم تعددها تمثل أضراراً مباشرة Dommages directs  لهذا الخطأ ، مما ييسر سهولة نسبتها إلى مرتكب الخطأ.

      بيد أنه تدق الصعوبة عندما تتولد عن الخطأ التقصيري سلسلة متعاقبة من الأضرار يتولد بعضها عن البعض، حيث يثور التساؤل حول مدى أو حدود مسئولية مرتكب الخطأ، هل يعد مسئولا عن ضمان كافة الأضرار المتولدة عن خطئه سواء ما كان منها ضررا مباشراً أو ضرراً غير مباشر لهذا الخطأ، أم أن مسئوليته مقصورة على ضمان الأضرار المباشرة فقط دون الأضرار غير المباشرة ؟

      لا جرم أن مسئولية مرتكب الخطأ أيا كانت طبيعته ( أي سواء أكان خطأ عقديا أم خطأ تقصيريا) تقف عند حد ضمان الأضرار المباشرة دون الأضرار غير المباشرة Les dommages indirèctes ، على أساس أن الضرر المباشر تربطه بالخطأ رابطة سببية مباشرة Lien de la causalité dirècte  فيلتزم مرتكب هذا الخطأ بضمانه، بعكس الضرر غير المباشر، فهو وإن كان مترتبا على الخطأ إلا أنه يرتبط به برابطة سببية غير مباشرة Lien de la causalité indirècte، وبالتالي فلا يضمنه مرتكب الخطأ.

      ويقصد بالضرر المباشر ذلك الضرر الذي يمثل نتيجة طبيعية أومألوفة للخطأ Un résultat naturel ou usuel de la faute ، ويكون الضرر مباشرا كنتيجة طبيعية للخطأ إذا لم يكن في استطاعة المضرور توقيه ببذل جهد معقول ([3]) .

      فلو تصورنا أن تاجرا أثناء ذهابه بسيارته إلى شركته صدمته سيارة مجاورة له بسبب انحراف القائد بها من جراء تجاوز حدود السرعة المعتادة، فتحطمت سيارة التاجر وتعرض لبعض الإصابات البدنية، وجلس في منزله تاركا أعمال تجارته مما أدي إلى كسادها وعجزه عن سداد ديونه المستحقة الأداء فتمَّ شهر إفلاسه وبيعت أمواله بالمزاد العلني بأثمان زهيدة، فإن مسئولية قائد السيارة لا يتصور أن تشمل كل هذه الأضرار المتعاقبة التي أصابت المضرور، وإنما تقتصر على الأضرار المباشرة فقط، دون الأضرار غير المباشرة، وبالتالي يضمن قائد السيارة الضرر المادي الذي أصاب التاجر المضرور من جراء فعله الضار فيعوضه عن تحطم السيارة ونفقات علاج الإصابات البدنية التي حدثت له، فضلا عن الضرر الأدبي المتمثل فيما أحدثته هذه الإصابات البدنية من ألم وحزن في نفس المضرور، على أساس أن هذه الأضرار تعد نتيجة طبيعية ومألوفة للضرر، ولم يكن في مقدور المضرور توقى حدوثها مهما بذل من جهد.

      في حين لا يضمن قائد السيارة الأضرار الأخرى غير المباشرة والمتمثلة في تعطل الأعمال التجارية للتاجر المضرور وكساد تجارته تبعا لذلك، فضلا عما ترتب على الكساد من آثار وخيمة للتاجر كشهر إفلاسه بسبب عجزه عن دفع ديونه وبيع هذه الأموال بالمزاد العلني بأثمان زهيدة لسداد هذه الديون، لأن مثل هذه الأضرار ليست نتيجة طبيعية لخطأ قائد السيارة ، لأنه كان في مقدور المضرور أن يتوقاها جميعها لو أنه بذل قدراً معقولاً من الجهد ، كما لو عهد لغيره بمتابعة أعمال تجارته على فرض عجزه بسبب الإصابات البدنية عن متابعتها بنفسه، وهذا القدر من الجهد كان كافيا وحده لدرء حدوث سلسلة الأضرار المتعاقبة التي أصابت التاجر المضرور ([4])

      وتطبيقاً لذلك قضت إحدى المحاكم المصرية (محكمة الاستئناف الوطنية) بأنه : ” إذا تلفت آلات وابور بسبب حادث حصل للقطار الذي كانت هذه الآلات مشحونة فيه، فلا تسأل المصلحة (أي مصلحة السكك الحديدية) عن الضرر غير المتسبب عن الحادث ، كأن يقال أن هذا الوابور كان معدا للتركيب على بئر ارتوازية وبسبب تلف الآلات تعذر الانتفاع بهذه البئر فتلفت زراعة صاحب البئر، وكان أيضا متعهدا بأن يروي لأصحاب الأطيان المجاورة فلم يروها بسبب هذا الحادث فطالبوه بتعويض الضرر، ثم أنه لم ينتفع بالأرض التي حفر البئر فيها وبالأرض التي أعدها لوضع الوابور بها…..الخ، وأن المصلحة مسئولة عن تعويض هذه الأضرار ([5]) .

      وخلص الحكم إلى قصر مسئولية مصلحة السكك الحديدية على الضرر المباشر المتمثل في تلف آلات وابور المياه فقط بوصفه يمثل نتيجة طبيعية لحادث قطار هذه المصلحة، أما الأضرار الأخرى فهي ليست أضرارا مباشرة، بل تُعد أضــراراً غير مباشرة فلا تلتزم المصلحة بضمانها، لأنها لم تكن نتيجة طبيعية لحادث القطـار، وكان في مقدور صاحب الوابور أن يتوقى حدوث مثل هذه الأضرار لو أنه بذل جهداً معقولا في هذا الخصوص ، كما لو أنه قام بشراء آلات بديلة عن الآلات التي تلفت في الحادث أو قام بري أرضه وأرض جيرانه بأي وسيلة أخرى من وسائل الري .

المطلب الثالث

حالات السبب الأجنبي

      إذا كان ثبوت علاقة السببية بين الخطأ والضرر يؤدي إلى انعقاد مسئولية مرتكب هذا الخطأ ، فإن انتفاء هذه العلاقة بثبوت السبب الأجنبي يؤدي إلى انتفاء هذه المسئولية .

      فالسبب الأجنبي La cause étrangère   تعبير عن كل سبب لا دخل للمدعي عليه فيه يعزى إليه وحده المسئولية عن وقوع الضرر رغم وجود خطأ المدعي عليه، لما له من دور فعال في إحداث الضرر الأمر الذي يؤدي إلى انتفاء رابطة السببية بين خطأ المدعي عليه والضرر، كالقوة القاهرة وخطأ المضرور، وخطأ الغير ([6]) .

الفرع الأول

القوة القاهرة أو الحادث الفجائي

      لقد مال البعض من الفقه إلى التمييز بين القوة القاهرة La force majeure والحادث الفجائي Le cas fortuit، بدعوى أن القوة القاهرة تمثل حدثا متعذرا دفعهévénement irréssistible  Un ، في حين أن الحادث الفجائي حدث متعذر توقعه imprévisible ، وهو اتجاه محل نظر لأن الحدث لا يمكن أن يصدق له وصف السبب الأجنبي كقوة قاهرة أو حدث فجائي، إلا إذا تحقق له هذان الوصفان معا بأن يكون مستحيل الدفع ومستحيل التوقع في ذات الوقت.

      وذهب البعض الآخر إلى التفرقة بينهما على أساس أن القوة القاهرة حدث خارجيévénement extérieur  Un عن المدعى عليه ، ليس في مقـدوره دفعـه ، بعكـس الحـادث الفجائـي فهـو حـدث داخلي Un événement interieur بالنسبة للمدعى عليه وإن كان يتعذر عليه توقعه ، كانفجار إحدى إطارات السيارة أو تلف الفرامل فجأة ، ويخلص أنصار هذا الاتجاه إلى أن القوة القاهرة وحدها هي التي يصدق عليها وصف السبب الأجنبى ، دون الحادث الفجائي ، وهذا رأي محل نظر أيضا لأن القوة القاهرة أو الحادث الفجائي كحدث ذي دور فعال في إحداث الضرر بالمضرور ، لا يمكن اعتباره سببا أجنبيا تنتفي به رابطة السببية بين ضرر المضرور وخطأ المدعى عليه ، إلا إذا كان حدثا خارجيا عن المدعى عليه وعن تابعيه أو أشيائه ، شريطة أن يكون حدثا مستحيل الدفع ومستحيل التوقع .

      لذلك يميل الرأي الراجح في الفقه إلى استعمال كلا من القوة القاهرة أو الحادث الفجائي كمترادفين ، فهما تعبيران لمعنى واحد أو وجهان لعملة واحدة ، فكلاهما يعبر عن حدث مستحيل التوقع ومستحيل الدفع ([7]).

      ويتضح لنا مما سبق أنه لكي يصدق على الحدث وصف القوة القاهرة أو الحادث الفجائي ، يتعين توافر الشروط الآتية :-

1- الشرط الأول : أن يكون الحدث مستحيل الدفع :

      ويكون الحدث مستحيل الدفع إذا تعذر على أي إنسان دفعه ، فالاستحالة المطلوبة في هذا المقام استحالة مطلقة Une impossibilité absolue. فالحدث الذي يستحيل على أي شخص دفعه وفقاً لمعيار موضوعي يعد قوة قاهرة أو حدثا فجائيا تنتفي معه رابطة السببية بين الخطأ والضرر ، فلا يلتزم مرتكب الخطأ بالتعويض عنه ، مثال ذلك أن يضطر قائد السيارة رغم قيادته الهادئة إلى الانحراف بالسيارة ليتفادى الاصطدام بشجرة سقطت أمامه فجأة بسبب العواصف الشديدة.

      أما إذا كان الحدث ممكن الدفع Réssistible وفقا لمعيار الشخص المعتاد فلا يعد من قبيل القوة القاهرة أو الحادث الفجائي ، وبالتالي ليس لقائد السيارة أن يدفع مسئوليته عن الضرر الذي أحدثه بسيارة مجاورة له متذرعاً بالارتفاع المفاجئ للرياح مما دفعه إلى الاصطدام بالسيارة أثناء القيادة ، لأنه وإن كان صحيحا أن الارتفاع الشديد للرياح يؤثر على قدرة قائد السيارة في التحكم فيها أثناء القيادة ، إلا أنه كان بإمكان السائق – وفقا لمعيار الشخص المعتاد – أن يدفع الأثر المفاجئ لهذه الرياح بتهدئة سرعة القيادة أو حتى بالوقوف للحظات على جانب آمن بالطريق لحين زوال تأثيرها ، لاسيما إذا كانت رياح عارضة.

2- الشرط الثاني : أن يكون الحدث مستحيل التوقع :

      لا يكفي لاعتبار الحدث من قبيل القوة القاهرة أن يكون مستحيل الدفع ، بل يلزم أيضاً أن يكون مستحيل التوقع ، فالحدث المتوقع  L’événement prévisible  لا يعد قوة قاهرة حتى وإن تعذر دفعه ، وبالتالـي لا تعتبر العواصف  Les tempêtes  أو الرياح Les vents أو الأمطار Les pluies  قوة قاهرة أو حادثا فجائيا رغم كونها مستحيلة الدفع مادامت متوقعة وفقا لمعيار الشخص المعتاد ، كما لو كانت دورية أو معلومة للناس عادة من خلال الوسائل الإعلامية المختلفة.

      ومما يجدر لفت الانتباه إليه أنه ليس ثمة تلازم بين سبق وقوع الحدث وكونه حدثا متوقعا أو غير متوقع ، فمن المتصور سبق وقوع الحدث من قبل ، ورغم ذلك يمكن اعتبار حدوثه مرة أخرى أمرا غير متوقع ، فالبركان Le volcan  الذي يقع ببلد غير معروف بالتعرض له ، لا يحول دون اعتبار تكراره مرة أخرى بعد ذلك حدثا غير متوقع ([8]) .

      ويعتبر الحدث أمراً غير متوقع الحدوث متى كان في غير مقدور الشخص المعتاد توقع حدوثه ، حتى وإن أمكن للشخص ذي المهارات الخاصة توقع حدوثه ولذلك فإن هبوب عاصفة رعدية في فصل الصيف أو وقوع زلزال في بلد لا يقع به عادة يعد حدثا غير متوقع بالنسبة للشخص المعتاد ، حتى وإن كان خبير الأرصاد الجوية على علم بذلك ما دام لم يعلنه للناس ([9]) .

3- الشرط الثالث : أن يكون سبب الحدث أجنبيا عن المدعى عليه :

      لقد كان الفقه التقليدي يميل إلى الاكتفاء بالشرطين سالفي الذكر ، لاعتبار الحدث قوة قاهرة ، وبالتالي كان يعد من قبيل القاهرة وقوع حادث بالسيارة بسبب التلف المفاجئ للفرامل Les freins أو بسبب الانفجار المفاجئ لإطارات السيارة ، بيد أن الفقه الحديث يتجه في معظمه – يؤيده في ذلك القضاء – إلى اشتراط كون سبب الحدث أجنبيا عن المدعى عليه حتى يمكن اعتباره من قبيل القوة القاهرة ، وبالتالي لا يعد من القوة القاهرة احتراق السيارة الذي أدى إلى الإضرار بالغير في شخصه أو ماله ، ولو كان ذلك راجعا إلى العيب الذاتي لأسلاك السيارة ، كما أن تلف الفرامل أو تعطلها المفاجئ إذا نجم عنه ضرر بالغير ولو كانت السيارة حديثة وخالية من أي عيب لا يعد من قبيل القوة القاهرة ([10]).

      ومما ينبغي الالتفات إليه أن القوة القاهرة (كحدث أجنبي عن المدعى عليـه) لا تنتفي بها رابطة السببية بين خطأ المدعى عليه والضرر ، إلا إذا كانت مُسْتَغْرِقَةً له ، ويتحقق ذلك حينما يكون وقوع خطأ المدعى عليه في ذاته راجعا إلى حدوث القوة لقاهرة ، مثال ذلك أن يضطر قائد السيارة إلى الانحراف فيصيب سيارة مجاورة رغم سيره بسرعة عادية ليتفادى الاصطدام بشجرة سقطت أمامه فجأة بسبب العواصف الشديدة ، ففي هذا المثال لو استبعدنا جدلا وقوع الحدث الذي يشكل القوة القاهرة ، هل كان من المتصور وقوع الخطأ من جانب المدعى عليه ، وانحرافه بسيارته ليصيب سيارة مجاورة له دون مبرر يستوجب هذا الانحراف؟

      أما إذا كان الحدث الذي يشكل القوة القاهرة غير مُسْتَغْرِق لخطأ المدعى عليه ، كما لو كان خطأ المدعى عليه سببا منتجا في وقوع الضرر ، فإن وجود هذا الحدث لا يصلح سببا للإعفاء من المسئولية  Une cause d’exonérer de la  responsabilité لأنه لا يمكن استبعاد أي من الأسباب المنتجة من مجال المسئولية عن الفعل الضار ويعد خطأ المدعي سببا منتجا وفعالا في وقوع الضرر ، كما أنه لا يصلح سببا للتخفيف من المسئولية Une cause d’attenuer de la  responsabilité عن الضرر ، حيث يتحمل المدعى عليه وحده كامل التعويض عـن الضرر ، فلا يخفف عنه بما يوازي نصيب القوة القاهرة في إحداث الضرر ، وذلك رعاية لمصلحة المضرور التي تملى الحكم على المدعى عليه بكامل التعويض عند اجتماع خطئه والقوة  القاهرة كسببين منتجين لوقوع الضرر ، حتى لا يضار المضرور من عدم وجود الشخص الذي يلتزم بدفع نصيب القوة القاهرة في التعويض ، مثال ذلك أن يفاجأ قائد السيارة أثناء قيادته بسرعة جنونية بشجرة أسقطتها العواصف أمامه ، فيضطر إلى الانحراف بعيدا عنها فيصيب سيارة مجاورة له ، حيث يتحمل قائد السيارة المسئولية كاملة رعاية للمضرور وتمكيناً له من الحصول على تعويض كامل لا يستبعد منه نصيب مساهمة الحدث الذي يمثل قوة قاهرة بالنسبة لظروف هذه الواقعة .

الفرع الثاني

خطــأ المضـــرور

      لعل التساؤل الذي يثور في هذا المقام يدور حول معرفة الفروض التي يمكن أن يمثل فيها خطأ المضرور La faute de la victime (باعتباره أحد صور السبب الأجنبي الذي لا يد للمدعي عليه فيه) سببا في نفـي علاقة السببية بين خطأ المدعي عليه والضرر الذي أصاب المضرور ، الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى إعفاء المدعى عليه من المسئولية ([11]) ؟

      لاشك في أن صلاحية خطأ المضرور كسبب معفٍ للمدعى عليه من المسئولية رغم ثبوت وصف الخطأ في سلوكه (بتوافر عنصري التعدي والإدراك في سلوك المدعي عليه) ([12]) تستوجب استغراق خطأ المضرور لخطأ المدعى عليه ، وهذا مالا يتحقق إلا في أحد هذين الفرضين :

1. الفرض الأول :

      أن يكون خطأ المضرور عمديا في حين يكون خطأ المدعى عليه غير عمدي ، حيث يستغرق الخطأ العمدي الخطأ غير العمدي ، ويعتد به وحده في قيام المسئولية ، فيتحمل المضرور وحده المسئولية كاملة عن الضرر الذي أصابه ، مثال ذلك أن يرمى إمرؤ بنفسه أمام سيارة مسرعة سرعة زائدة عن القدر المسموح به قانونا بقصد الانتحار فيموت بسبب ذلك أو تحدث له إصابات بدنية ، حيث يستغرق خطأ المضرور العمدي في هذا المثال خطأ السائق غير العمدي. أما إذا كان خطأ المدعى عليه خطأ عمديا ، في حين أن خطأ المضرور خطأ غير عمدي ، استغرق خطأ المدعى عليه خطأ المضرور ، وتحمل المدعى عليه المسئولية كاملة عن تعويض الضرر الذي أصاب المضرور ، مثال ذلك أن يستغل المدعى عليه غريما له يمشى مترنحا من السُكْر في وسط الطريق فيدهسه بسيارته فيقتله أو يصيبه بجروح.

2. الفرض الثاني :

      أن يكون وقوع الخطأ من جانب المدعى عليه نتيجة لحدوث الخطأ من جانب المضرور ، بحيث يضحي خطأ المضرور الخطأ الأصلي ويكون خطأ المدعى عليه متفرعا منه وناتجا عنه كخطأ تابع له ، وعندئذ يكون خطأ المضرور مُسْتَغْرِقاً لخطأ المدعى عليه ، فيعتد به وحده في مقام المسئولية ، وتنتفي به رابطـة السببية بين الضرر وخطأ المدعى عليه ، مثال ذلك أن يأتي “طارق” حركة عنيفة على سبيل المزاح مع صديقه أحمد أثناء تنزهما بسيارة أحمد ، مما أفقد أحمد السيطرة على السيارة ، فأصيب طارق على إثر ذلك بجروح خطيرة نتيجة لارتطامه بباب السيارة ، إذ يعد خطأ أحمد في هذا المثال المتمثل في قيادة السيادة دون تحكم في حركتها ناتجا عن خطأ طارق الأصلي الذي كان سببا في حدوثه ، الأمر الذي يستوجب أن يتحمل طارق وحده المسئولية عن الضرر الذي أصابه لاستغراق خطئه خطأ أحمد.

      ويختلف الحكم حينما يكون خطأ المضرور خطأ متولدا عن الخطأ الصادر عن المدعى عليه ، إذ يعتبر خطأ المدعى عليه مُسْتَغْرِقاً لخطأ المضرور ، فيعول عليه وحده في إطار المسئولية دون خطأ المضرور ، مثال ذلك أن يضطر طارق في المثال السابق إلى القفز من السيارة نتيجة للرعونة والسرعة الجنونية في القيادة من جانب أحمد  لكى ينجو من انقلاب السيارة ووقوعها فى البحر ، فيصاب بجروح أثناء عملية القفز .

      وقد يحدث أن يكون خطأ المضرور سببا مخففا لمسئولية المدعى عليه وليس سببا معفيا من مسئوليته ، وذلك حينما يكون خطأ المضرور وخطأ المدعى عليه سببين منتجين في وقوع الضرر ، ولم يستغرق أيُّ واحد منهما الآخر ، فيعتد بهما معا في مقام المسئولية عن الضرر ، بحيث لا يدفع المدعى عليه للمضرور سوى نصف التعويض فقط أو قدرا أقل من ذلك أو أكثر تبعا لتقدير القاضي لدرجة إسهام خطأ المدعى عليه في وقوع الضرر مع خطأ المضرور ، مثال ذلك أن يبطئ سائق الحافلة في سيره عند محطة بنزين موهما غيره بأنه سيتوقف أمام هذه المحطة ثم إذا به عند الاقتراب من المحطة يتابع السير دون توقف أمامها فعلا ، وخطأ الصبي الذي تعلق بالسيارة في لحظة إبطائها وفي غير محطة من محطات الركوب ، مما أدى إلى إصابته بجروح  على إثر وقوعه على الأرض ، فالخطأ هنا مشترك لعدم استغراق أحدهما للآخر فتوزع المسئولية على صاحبي الخطأين بالتساوي بحسب النسبة التي يقدرها القاضي ، بحيث لا يدفع المدعى عليه للمضرور سوى نصف التعويض إن وزع القاضي المسئولية بالتساوي أو القدر الذي يرى القاضي موازاته لدرجة إسهام خطئه في وقوع الضرر.

وفي هذا الصدد قضت محكمة النقض المصرية بأنه :
” من المقرر في قضاء محكمة النقض أن مساهمة المضرور في الخطأ لا تُسقط مسئولية الجاني إذا ما ثبت لدى المحكمة قيام خطأ من جانبه ، إذ يصح في القانون أن يقع الحادث بناء على خطأ من شخصين مختلفين ، ولا يسوغ في هذه الحالة القول بأن خطأ أحدهما ينفي المسئولية عن الآخر ؛ لأن الأصل أن خطأ المضرور لا يرفع مسئولية المسئول وإنما يخفضها ولا يُعفَي المسئول استثناءً من هذا الأصل إلا إذا تبين من ظروف الحادث أن خطأ المضرور قد بلغ من الجسامة درجة بحيث يستغرق خطأ المسئول.

( الطعن رقم ٦٣٨١ لسنة ٨٠ قضائية جلسة ٢٠١٩/٠١/٠١)

الفرع الثالث

خطـــــــــأ الغيـــــــــر

      يقصد بالغير في إطار المسئولية التقصيرية ([14]) بأنه كل شخص عدا المدعى عليه وتابعه والمشمول برقابته والمضرور.

      ولا جرم أنه إذا أُثير وجود خطأ الغير L’existence de la faute d’un tiers  كسبب مساهم في وقوع الضرر إلى جانب خطأ المدعى عليه ، فإن التساؤل الـذي يفرض نفسه يدور حول معرفة مدى حقيقة دور خطأ الغير في إحداث الضرر مقارنة بخطأ المدعى عليه ، لنصل في نهاية المطاف إلى الحالة التي يكون فيها خطأ الغير – كسبب أجنبي عن المدعى عليه – سببا في نفي رابطة السببية بين خطأ المدعى عليه والضرر ، وبالتالي إعفائه تماما من المسئولية عن الضرر ، هذا بالإضافة إلى الحالة التي يكون فيها خطأ الغير مجرد سبب مخفف للمسئولية  Une cause atténuante de la responsabilité  ، بحيث لا تنتفي مع وجوده رابطة السببية بين خطأ المدعى عليه والضرر؟

      يكون خطأ الغير سببا تنتفي به رابطة السببية بين خطأ المدعى عليه والضرر إذا كان مُسْتَغْرِقاً لخطأ المدعى عليه ، ويتحقق الاستغراق في خطأ الغير لخطأ المدعى عليه في هذين الفرضين :-

1. الفرض الأول :

      إذا كان خطأ الغير عمديا وخطأ المدعى عليه غير عمدي ، حيث يتحمل صاحب الخطأ العمدي المسئولية عن الضرر وحده ويكون سببا في إعفاء صاحب الخطأ غير العمدي من المسئولية ، إذ يؤدي إلى انقطاع رابطة السببية بين الضرر وخطئه غير العمدي ، مثال ذلك أن يدفع شخص بغريمه أمام سيارة يقودها صاحبها بسرعة عادية ، إذ يستغرق خطأ الغير خطأ السائق كمدعى عليه.

      ويختلف الحكم إذا كان خطأ الغير غير عمدي وخطأ المدعى عليه عمديا ، إذ يتحمل المدعى عليه وحده المسئولية كاملة لاستغراق خطئه لخطأ الغير ، مثال ذلك أن يدفع شخص بابن غريمه في حفرة حفرها غيره بالطريق العام ، حيث يستغرق خطأ المدعى عليه – الذي دفع الطفل بالحفرة – خطأ محدث الحفرة.

2. الفرض الثاني :

      إذا كان وقوع الخطأ من المدعي عليه نتيجة حتمية لخطأ الغير، بحيث يضحي خطأ الغير الخطأ الأصلي للضرر ويكون خطأ المدعي عليه تابعا له وناتجا عنه، مثال ذلك أن يجد قائد السيارة نفسه مضطرا إلى الانحراف بقوة بسيارته ليتفادى الوقوع في الحفرة La fosse التي أحدثها الغير بالطريق العام دون أن ينبه إليها الناس بإشارة أو علامة، فيصدم سيارة أخرى أو يصيب أحد الأشخاص. ففي هذا المثال يكون خطأ محدث الحفرة مستغرقاً لخطأ قائد السيارة، فيتحمل بمفرده المسئولية كاملة عن ضرر المضرور، ويضحي خطأ الغير سببا في نفي رابطة السببية بين الضرر وخطأ قائد السيارة، وإعفائه بالتالي من المسئولية، نظرا لاستغراق خطأ محدث الحفرة لخطئه.

      أما إذا ساهم كل من خطأ الغير وخطأ المدعي عليه في وقوع الضرر ولم يستغرق أحدهما الآخر، قامت المسئولية في حقهما عن تعويض الضرر الذي أصاب المضرور، بحيث يلتزم كل واحد منهما في إطار العلاقة بينهما كمسئولين عن خطأ مشترك بنصف التعويض، هذا ما لم يحدد القاضي نسبة أخرى على كل واحد منهما أقل أو أكثر من النصف على ضوء مدى أو درجة إسهام خطئه في وقوع الضرر، مع مراعاة تضامنهما معا في مواجهة المضرور في الوفاء بمبلغ التعويض كاملا كما لو أن قائد السيارة فى المثال السابق كان يقود سيارته بسرعة جنونية فلم يتمكن لذلك من تفادى الوقوع بالحفرة دون الانحراف بشدة على الرصيف فأصاب أحد الأشخاص .

      ونخلص مما سبق إلى أن وجود السبب الأجنبي قد ينفي رابطة السببية بين خطأ المدعي عليه وضرر المضرور فترتفع مسئوليته عن هذا الضرر، ويحدث ذلك حينما يكون السبب الأجنبي ( سواء أكان قوة قاهرة أم خطأ المضرور أم خطأ الغير) مستغرقا لخطأ المدعي عليه ([15]) .


[1]) ) وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأنه : “…أن تقدير توافر رابطة السببية بين الخطأ والضرر أو عدم توافرها هو من المسائل الموضوعية التى تفصل فيها محكمة الموضوع بغير معقب عليها مادام تقديرها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة ولها أصلها في الأوراق .” ( نقض مدنى الطعن رقم ١٦٤٩٠ لسنة ٧٦ قضائية جلسة ٢٠١٥/٠٣/٠٣ ).

([2]) حيث تنص المادة 169 من التقنين المدني المصري على أنه : ” إذا تعدد المسئولون عن عمل ضار كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر، وتكون المسئولية فيما بينهم بالتساوي إلا إذا عين القاضي نصيب كل منهم في التعويض”

([3]) وقد حدد واضع التقنين المدني المصري دلالة الضرر المباشر في معرض الحديث عن المسئولية العقدية في المادة 221/1 بقوله : ” إذا لم يكن التعويض مقدرا في العقد أو بنص في القانون، فالقاضي هو الذي يقدره، ويشمل التعويض ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب، بشرط أن يكون هذا نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالالتزام أو للتأخر في الوفاء به، ويعتبر الضرر نتيجة طبيعية إذا لم يكن في استطاعة الدائن أن يتوقاه ببذل جهد معقول”.

([4]) ولعل من الأمثلة التقليدية الشهيرة في مجال التفرقة بين الضرر المباشر وغير المباشر ما ذكره الفقيه الفرنسي  ” بواتييه”، من أن فلاحا اشتري من أحد تجار الماشية بقرة تحمل مرضا معديا، وحينما ضمها إلى مواشيه انتقلت العدوى إليهم جميعا فنفقوا وهلكوا، وحدث أن توقف الفلاح عن زراعة أرضه فساءت أحواله المالية وعجز عن سداد ديونه، وقام دائنوه بالحجز على ممتلكاته وباعوها بالمزاد العلني بثمن بخس. ففي هذا المثال حدثت للفلاح سلسلة من الأضرار المتعاقبة على إثر خطأ تاجرالماشية المتمثل في بيعه بقرة موبوءة للمضرور، لا يمكن القول بمسئولية التاجر عن جميعها، وإنما يسأل فقط عن الأضرار المباشرة منها دون الأضرار غير المباشرة، وبالتالي يعتبر التاجر مسئولا عن نفق جميع الماشية باعتباره يمثل نتيجة طبيعية لخطئه، حيث لم يكن في استطاعة الفلاح أن يتوقى حدوثه مهما بذل من جهد، مادام أنه لم يكن على علم بالعدوى الني كانت بالبقرة المشتراة، في حين لا يسأل عن تعويض المضرور عن الأضرار الأخرى كتوقف الفلاح عن زراعته وكساد وسوء أحواله المالية وعجزه عن دفع ديونه…..الخ، فمثل هذه الأضرار لا تعد نتيجة طبيعية لخطأ التاجر، كما أنه كان في مقدور التاجر المضرور أن يتوقى حدوث كل هذه الأضرار لو أنه استمر في أعمال زراعته دون انقطاع وسعى إلى سداد ديونه بأي وسيلة مشروعة.

([5]) استئناف وطني 22 أكتوبر عام 1914. الشرائع، 2 رقم 2151، ص 247، مشار إليه لدى أ.د/سمير تناغو بند 185، ص 259، 260.

([6]) إذ تنص المادة 165 من التقنين المدني المصري على ذلك المعنى بقولها: “إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه ، كحادث مفاجئ أو قوة قاهرة أو خطا من المضرور أو خطأ من الغير ، كان غير ملزم بتعويض هذا الضرر ، ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ذلك”.

([7]) انظر في نفس المعنى: أ.د / جميل الشرقاوي بند 110 ، ص532 ، أ.د/ سمير تناغو بند 180 ، ص252 وما بعدها ، أ.د/ علي نجيدة ص370.

([8]) انظر في نفس المعنى : أ.د/ محمد إبراهيم دسوقي بند 247   ، ص335.

([9]) انظر في نفس المعنى : أ.د/ محمد إبراهيم دسوقي بند 247 ، ص335.

([10]) وينبغي لفت الانتباه إلى أن المسئول من حقه أن يرجع على بائع السيارة وفقا لقواعد المسئولية العقدية لتعويضه عن قيمة السيارة وعن الأضرار التي لحقته من جراء هذه العيوب الخفية Les vices cachés  الموجودة بالسيارة والتي كانت سببا في الإضرار بالغير.

[11]) ) وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأن : “المقرر في قضاء محكمة النقض أن الأصل أن خطأ المضرور لا يرفع مسئولية المسئول وإنما يخففها ولا يعفى الأخير من هذا الأصل إلا إذا تبين من ظروف الحادث أن خطأ المضرور مما تتوافر في شأنه شرائط السبب الأجنبى بأن يكون هو العامل الأول في إحداث الضرر الذى أصابه ، وأنه بلغ من الجسامة بحيث يستغرق خطأ المسئول ويكون كافياً بذاته لإحداث الضرر . ” ( نقض مدنى الطعن رقم ٢٧٠ لسنة ٨٢ قضائية جلسة ٢٠١٨/٠٧/٠٩)

([12]) ومن البديهي أنه إذا انتفى عن سلوك المدعى عليه وصف الخطأ وكان خطأ المضرور هو السبب الوحيد لحدوث الضرر به ، فلا مجال لقيام المسئولية في حق المدعى عليه لتخلف ركن الخطأ الذي يمثل قوام المسئولية ودعامتها الأساسية ، مثال ذلك أن يرمى إمرؤ نفسـه بقصـد الانتحار أمام سيارة يقودها صاحبها في حدود السرعة القانونية فيقتله أو يصيبه بجروح ، حيث يتحمل المضرور وحده المسئولية ، وتنتفي مسئولية المدعى عليه لانتفاء ركن الخطأ كأحد الأركان اللازمة لقيام مسئوليته.

([14]) ومن الطبيعي أنه إذا كان خطأ الغير هو السبب الوحيد لحدوث الضرر وانتفى عن سلوك المدعى عليه وصف الخطأ فلا مجال أصلا للبحث عن رابطة السببية بينه وبين الضرر إثباتا أو نفيا ، ولا يتصور قيام مسئوليته لتخلف ركن الخطأ فيها ، مثال ذلك أن يعمد امرؤ إلى دفع غريمه أمام سيارة يقودها صاحبها في حدود سرعتها القانونية فيصيبه بجروح ، فلا مجال لمسئولية قائد السيارة لانعدام وصف الخطأ في سلوكه ، ويتحمل الشخص الذي دفع غريمه المسئولية عن ضرر المضرور كاملا بمفرده .

([15]) ولعل هذا هو عين ما نصت عليه المادة 165 مدني مصري بقولها : ” إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه كحادث فجائي أو قوة قاهرة أو خطأ من المضرور أو الخطأ من الغير، كان غير ملزم بتعويض هذا الضرر، ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ذلك”.

تعليقات فيس بوك
Sending
User Review
5 (1 vote)

عن الكاتب

محمد خالد شرف المحامي بالنقض

محامي حر ومستشار قانوني لأكثر من تسعة عشر عاما ،أنشأت هذه المدونة إثراء للمحتوى والفكر القانوني المصري والعربي على شبكة الأنترنت ،ولمساعدة زملائي المحامين وخاصة المبتدأين منهم في الوصول إلى المعلومة القانونية الصحيحة في بداية مسيرتهم المهنية.

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.