الجوانب القانونية المتعلقة بالمهن الحرة في ضوء القانون التجاري السعودي

الصورة بواسطة LinkedIn Sales Navigator من Pexels

(الجوانب القانونية المتعلقة بالمهن الحرة
في ضوء القانون التجاري السعودي)

تمهيد

تعريف القانون التجاري

القانون التجاري هو القانون الذي يطبق على التصرفات التجارية ، وينظم حرفة التجارة ، إذ ينظم العلاقات والمراكز قانونية الناشئة عن القيام بنوع معين من التصرفات هو ( التصرفات التجارية)([1]) ، والتي غالبا ما تتم بين التجار وبين عملائهم أو بين التجار وبعضهم البعض([2]).

وإذا كان القانون التجاري قد تحدد نطاقه بالتصرفات التجارية([3]) فإن ذلك يستلزم التمييز بين العمل التجاري والعمل المدني لتحديد نطاق سريان القانون التجاري ؛ نظرا لما يترتب على ذلك من أمور هامة تتعلق بقواعد الإثبات ، والاختصاص القضائي ، وصفة التاجر ، وغير ذلك من أمور.

أهمية موضوع البحث

إن التعرف على موقف المهن الحرة من القانون التجاري ، وموقف القانون التجاري منها هو غاية هذا البحث ، وذلك للوقوف على ما إذا كانت تنتمي إلى الأعمال التجارية أم الأعمال المدنية ؛ لما يترتب على ذلك من آثار هامة  تتعلق بالاختصاص القضائي بما ينشأ عنها من منازعات ، وأدلة وقواعد الإثبات المقررة بشأنها ، وغير ذلك مما سنفرد له مبحثا مستقلا في هذا البحث.

وسوف ينقسم بحثنا إلى مبحثين ، الأول نخصصه للوقوف على مفهوم المهن الحرة ، وموقف القانون التجاري السعودي منها ، والمبحث الثاني نكرسه لبيان أهمية التمييز بين العمل التجاري والعمل المدني ، وذلك وفقا لخطة البحث التالية:

خطة البحث :

المبحث الأول

مفهوم المهن الحرة ، وموقف القانون السعودي منها

  • المطلب الأول :

مفهوم المهن الحرة

  • المطلب الثاني:

موقف القانون التجاري السعودي من المهن الحرة

المبحث الثاني :

أهمية التمييز بين العمل التجاري والعمل المدني “الآثار المترتبة على مدنية المهن الحرة”

  • المطلب الأول :

تحديد الاختصاص القضائي

  • المطلب الثاني :

 قواعد إثبات الالتزامات التجارية

  • المطلب الثالث :

افتراض التضامن بين المدينين

  • المطلب الرابع:
  • نظرة الميسرة أو المهلة القضائية للمدين
  • المطلب الخامس:

الإعذار

  • المطلب السادس:
  • نظام الإفلاس
المبحث الأول
مفهوم المهن الحرة ، وموقف القانون السعودي منها
المطلب الأول
مفهوم المهن الحرة

يقصد بالمهن الحرة تلك المهن التي تعتمد على استغلال المواهب ، والقدرات الشخصية ، ويعرف الاتحاد الوطني للمهن الحرة في فرنسا صاحب المهنة الحرة    بأنه :

من يكون مؤهلا في تخصص يتعلق بتقديم خدمات تتميز أساسا بطابعها الذهني ، مع تمتعه بحرية كاملة في تقديم استشاراته لعملائه الذين يختارهم بحرية مع تحمله المسئولية المترتبة على ممارسة نشاطه المهني “[4]

وتعتبر معظم التشريعات نشاط صاحب المهن الحرة عملا مدنيا بغض الطرف عما يتقاضاه في المقابل ؛ إذ ما يتقاضاه صاحب المهنة الحرة يعد من قبيل الأتعاب والمكافآت ، وليس من قبيل الأرباح، ومن أمثله تلك المهن أعمال المحاماة ، والطب ، والهندسة ، والمحاسبة ، وغيرها من الأعمال التي قوامها الجهد الذهني ، والقدرات الشخصية .

والمهن الحرة لا تقع تحت حصر ، ويرجع في تحديدها إلى العرف.[5]

ومن هنا فإن المحامي أو الطبيب أو المهندس أو المحاسب لا يعتبر تاجرا إذا باشر  أعماله المهنية على سبيل الدوام ؛ بل إن عمله يظل عملا مدنيا ولو قام ببعض الاعمال التجارية المكملة لمهنته الأساسية ، كما هو الحال بالنسبة للطبيب الذي يؤسس عيادة أو مشفى لعلاج المرضى مع تقديم الطعام والدواء لهم.

أما إذا تجاوز العمل الذي يقوم به الطبيب أو المحامي أو المهندس كونه عملا ثانويا بالنظر إلى مهنته الأساسية ؛ ففي هذه الحالة يكون عمل كل منهم عملا تجاريا.

ومن قبيل ذلك إقامة الطبيب مستشفى للاستجمام أو إنقاص الوزن بحيث يصبح إشرافه المهني كطبيب عملا ثانويا إلى جوار مضارباته على اسعار الطعام والإقامة والترفيه والأجهزة المخصصة لإنقاص الوزن والأدوات والأجهزة الرياضية المتنوعة.

وكذلك فإن الصيدلاني وإن كان يشترط حصوله على مؤهل علمي قبل البدء في ممارسة أعماله يعد عمله عملا تجاريا ؛ لأن مزاولة مهنته تقوم بالأساس على شراء الأدوية والعقاقير بغرض إعادة بيعها ؛ نظرا لكون التركيبات والتحضيرات الكيميائية التي يقوم بإعدادها قد صارت ضئيلة ونادرة في الوقت الحالي.

وكذلك يعد الاستغلال العلمي والادبي والفني الذي يقدمه المؤلف أو صاحب الموهبة الفنية عملا مدنيا ؛ إذ لم يسبق عمله شراء ، وحتى لو سبق عمله شراء فإن القيمة المادية لمكونات العمل الفني في ذاتها لا تساوي شيئا إلى جوار القيمة المضافة التي جعلت من تلك المكونات المادية عملا فنيا ، وتلك القيمة المضافة هي نتاج عمل ذهني ، ومواهب وقدرات ذاتية ؛ ومن ثم فإذا صاحب العمل الذهني بعض الأعمال التجارية اللازمة كشراء الورق ، أو الألوان ، أو أدوات التصوير والإضاءة

وتطبيقا لذلك فإن المؤلف او الموسيقي أو المخترع إذا باع نتاج فكره او عمله لا يعتبر بيعه ذاك عملا تجاريا مهما كان المقابل الذي تحصل عليه من ذلك البيع.

وتجدر الإشارة إلى ان الاعمال المتعلقة بالإنتاج الذهني وان كانت تعد اعمالا مدنية بالنسبة لأصحابها ، إلا انها تعد اعمالا تجارية بالنسبة  للوسطاء الذين يتوسطون بين صاحب الانتاج الذهني والجمهور ؛ فشراء دور النشر للإنتاج الذهني للمؤلف وإعادة بيعه للعامة مستهدفة من وراء ذلك الربح يجعل من عملها ذلك عملا تجاريا .

المطلب الثاني
موقف القانون السعودي من المهن الحرة

يقضي نص المادة (2) من نظام المحكمة التجارية بأن :

يعتبر من الأعمال التجارية كل ما هو آت:

أ- كل شراء بضاعة أو أغلال من مأكولات وغيرها لأجل بيعها بحالها أو بعد صناعة وعمل فيها.

ب- كل مقاولة أو تعهد بتوريد أشياء أو عمل يتعلق بالتجارة بالعمولة أو النقل برا أو بحرا أو يتعلق بالمحلات والمكاتب التجارية ومحلات البيع بالمزايدة يعني الحراج .

ج- كل ما يتعلق بسندات الحوالة بأنواعها أو بالصرافة والدلالة (السمسرة).

د- جميع العقود والتعهدات الحاصلة بين التجار والمتسببين والسماسرة والصيارف والوكلاء بأنواعهم، وجميع المقاولات المتعلقة بإنشاء مبان ونحوها.

متى كان المقاول متعهدا بتوريد المؤن والأدوات اللازمة لها.”[6]

وباستقراء النص السابق نجد أن نظام المحكمة التجارية إلى تحديد الأعمال التجارية بطريق السرد [7]؛ حيث أورد بالنص المتقدم تعدادا للأعمال التي تعد في نظر النظام أعمالا تجارية ، كما أورد بذات النص ما يقضي بتجارية كافة العقود والتعهدات الحاصلة بين التجار والمتسببين والسماسرة والصيارف والوكلاء بأنواعهم.

ومفاد ذلك ان نظام المحكمة التجارية قد حدد نوعين من الاعمال التجارية :

النوع الأول : الأعمال التجارية الأصلية ، أو بطبيعتها ، وهي الأعمال الواردة صراحة بنص المادة (2) سالفة البيان.

النوع الثاني : وهو الاعمال التجارية بالتبعية ، وهي الأعمال التي لا تثبت لها صفة التجارية إلا لصدورها من تاجر بمناسبة مباشرته لأعمال تجارته ، ويطلق بعض الفقه على هذه الأعمال اسم الأعمال التجارية الذاتية ،أو الشخصية.

وقد تقع الاعمال التجارية بين تاجر وغير تاجر ، فتكون تجارية بالنسبة إلى طرف ومدنية بالنسبة للطرف الآخر ، وهذا ما يسمى بالأعمال المختلطة .

ومن هنا نجد أن المنظم السعودي قد أخرج المهن الحرة ( كالمحاماة والطب والهندسة والمحاسبة ، والمهن القائمة على الإنتاج الذهني وغيرها مما لم ينص عليه ) من نطاق القانون التجاري ولم ينص عليها  كأعمال تجارية .

والقانون التجاري السعودي بذلك لا ينظر عند تطبيقه الى شخص القائم بالعمل وكونه تاجرا بل الى العمل في ذاته ، ومن هنا يمكن القول بأن القانون التجاري السعودي متأثر بالنظرية المادية[8] (الموضوعية) مثله في ذلك مثل القانون الفرنسي وما دار في فلكه كالقانون المصري.

ويرى بعض الفقه[9] أن القانون التجاري السعودي وإن كان قد أخذ من النظرية المادية بحظ وافر ، إلا أنه قد ناله نصيب من النظرية الشخصية ، ويتجلى ذلك فيما نصت عليه المادة الأولى من نظام المحكمة التجارية من أن :

” التاجر هو من اشتغل بالمعاملات التجارية واتخذها مهنة له.”

كما أن نظام المحكمة التجارية قد تضمن بعض الأحكام الخاصة بالتجار مثل الالتزام بإمساك الدفاتر التجارية ، والقيد في السجل التجاري ، والخضوع لنظام الإفلاس ، فضلا عن كون المادة الثانية من النظام المشار إليه تشترط لإضفاء الصفة التجارية على بعض الأعمال أن يكون الشخص الذي يباشرها تاجرا ، وهذه الأعمال هي الأعمال المتعلقة بالصناعة ، والوكالة ، والعمولة ، والبيع بالمزاد ، ومقاولة محلات ومكاتب الأعمال ، ومقاولة إنشاء المباني ؛ فكل هذه الأعمال لا تكون في نظر القانون أعمالا تجارية الا إذا كانت مباشرتها على وجه المقاولة ، وهو ما يستلزم أن يكون القائم بها محترفا أي تاجراً.

إضافة إلى أن الأعمال الواردة بالفقرة (د) من المادة الثانية من نظام المحاكم التجارية قد تضمنت أن: “جميع العقود والتعهدات الحاصلة بين التجار والمتسببين والسماسرة والصيارف والوكلاء بأنواعهم، وجميع المقاولات المتعلقة بإنشاء مبان ونحوها”  هي من قبيل الأعمال التجارية ، وتجارية هذه الأعمال لا ترجع إلى طبيعتها الذاتية بقدر ما ترجع إلى صفة القائمين بها كونهم تجار يقومون بهذه الأعمال لأغراض تجارتهم.

وخلاصة القول :

أن المهن الحرة ليست من الأعمال التجارية ؛ إذ لم ينص نظام المحكمة التجارية على كونها أعمالا تجارية ، وبذلك يكون قد أخرجها من نطاق تطبيقه ، وتظل من ثم على أصلها أعمال مدنية مهما كان ما يحصل عليه القائم بها من عائد ؛ إذ ما يحصل عليه المحامي أو الطبيب أو المحاسب لا يعد من قبيل الربح ، إذ هو من قبيل الأتعاب والمكافآت ، والتي ينظر فيها إلى القدرات الذهنية ، والمهارات الشخصية للقائم بالعمل.

المبحث الثاني
أهمية التمييز بين العمل المدني والعمل التجاري
“الآثار المترتبة على مدنية المهن الحرة”

تعود أهمية التمييز بين كل من العمل التجاري والعمل المدني ؛ إلى ما خص به القانون العمل التجاري ببعض الأحكام بغض النظر عن شخص القائم به ، سواء من حيث قواعد الإثبات ، أو من حيث القواعد الموضوعية التي تحكم الالتزامات التجارية .

المطلب الأول :
تحديد الاختصاص القضائي

أخذ نظام المحكمة التجارية في المملكة العربية السعودية بنظام القضاء التجاري؛ إذ قضت المادة 432 من نظام المحكمة بأنه :

” تؤلف المحكمة التجارية من رئيس وستة أعضاء؛ ثلاثة فخريين وثلاثة دائمين برواتب ينتخبون من الأشخاص الذين لهم خبرة تامة بالشؤون التجارية والمشهورين بالديانة والشرف والاستقامة وعضو شرعي سابع بحيث لا تقل أسنانهم عن الثلاثين سنة .”[10]

كما نص نظام المرافعات الشرعية الصادر  المرسوم الملكي رقم ( م/1 ) وتاريخ 22 / 1 / 1435 هــ في مادته الخامسة والثلاثين على أنه :

”  تختص المحاكم التجارية بالنظر في الآتي:

أ – جميع المنازعات التجارية الأصلية والتبعية التي تحدث بين التجار.

ب – الدعاوى التي تقام على التاجر بسبب أعماله التجارية الأصلية والتبعية.

ج – المنازعات التي تحدث بين الشركاء في الشركات.

د – جميع الدعاوى والمخالفات المتعلقة بالأنظمة التجارية، وذلك دون إخلال باختصاص ديوان المظالم.

هـ – دعاوى الإفلاس والحجر على المفلسين ورفعه عنهم.

و – المنازعات التجارية الأخرى.”[11]

كما نص المرسوم الملكي (م/93) وتاريخ 15/8/1441، الصادر بشأن الموافقة على نظام المحاكم التجارية على أن :

أولاً : الموافقة على نظام المحاكم التجارية، بالصيغة المرافقة.

ثانيـــــاً: تنشأ – بقرار من المجلس الأعلى للقضاء – دوائر تجارية في المحاكم العامة في المناطق والمحافظات التي لم ينشأ فيها محاكم تجارية وفقاً لأحكام النظام المشار إليه في البند (أولاً) أعلاه، على أن يكون استئناف الأحكام الصادرة من تلك الدوائر أمام دوائر الاستئناف في أقرب محكمة تجارية، وذلك إلى حين إنشاء محاكم تجارية فيها.”

كما جرى نص المادة 16 من نظام المحاكم التجارية الصادر قرار مجلس الوزراء رقم 511 بتاريخ 1441/08/14 هـ على أنه : ” تختص المحكمة بالنظر في الآتي:

  1. المنازعات التي تنشأ بين التجار بسبب أعمالهم التجارية الأصلية أو التبعية.
  2. الدعاوى المقامة على التاجر في منازعات العقود التجارية، متى كانت قيمة المطالبة الأصلية في الدعوى تزيد على مائة ألف ريال، وللمجلس عند الاقتضاء زيادة هذه القيمة. 
  3. منازعات الشركاء في شركة المضاربة.
  4. الدعاوى والمخالفات الناشئة عن تطبيق أحكام نظام الشركات.
  5. الدعاوى والمخالفات الناشئة عن تطبيق أحكام نظام الإفلاس.
  6. الدعاوى والمخالفات الناشئة عن تطبيق أنظمة الملكية الفكرية.
  7. الدعاوى والمخالفات الناشئة عن تطبيق الأنظمة التجارية الأخرى.
  8. الدعاوى والطلبات المتعلقة بالحارس القضائي والأمين والمصفي والخبير المعينين ونحوهم؛ متى كان النزاع متعلقاً بدعوى تختص بنظرها المحكمة.
  9. دعاوى التعويض عن الأضرار الناشئة عن دعوى سبق نظرها من المحكمة. “

ومن ثم فمتى كان العمل عملا تجاريا فإن الاختصاص بنظر ما يتعلق به من منازعات يكون منعقدا للمحاكم التجارية ، ويخرج بالتالي عن نطاق اختصاص القضاء المدني.

المطلب الثاني
قواعد إثبات الالتزامات التجارية

الإثبات من الناحية القانونية هو إقامة الدليل أمام القضاء ، بطريقة من الطرق التي نص عليها القانون ، على صحة واقعة قانونية متنازع فيها ؛ نظرا لما يترتب على ثبوتها من آثار قانونية.[12]

ومعظم التشريعات تخضع الإثبات في المسائل المدنية لبعض القيود ، كاشتراط الكتابة لإثبات تصرف قانوني معين متى جاوزت قيمته مقدارا معينا ، أو كان واجب الإثبات بالكتابة للاحتجاج به على الغير .

أما في المسائل التجارية فإن أغلب التشريعات تحرص على تأكيد مبدأ حرية الإثبات[13] ؛ ومن ثم نجدها تجيز إثبات التصرف التجاري مهما بلغت قيمته بشهادة الشهود والقرائن والدفاتر التجارية ، والمراسلات وغير ذلك من وسائل الإثبات ، بل إن منها ما يجيز إثبات عكس ما هو ثبت بالكتابة بغير الكتابة.

ويقوم مبدأ حرية الإثبات في المسائل والمواد التجارية إلى ما تستلزمه التجارة من سرعة وائتمان ومرونة ، فضلا عن أن التجار ملزمون بإمساك دفاتر تجارية منتظمة لقيد وتسجيل جميع معاملاتهم التجارية مما ييسر إثبات هذه المعاملات ويخفف بالتالي من عيوب مبدأ حرية الإثبات في المواد التجارية.

وهذا المبدأ – حرية الإثبات في المواد التجارية – قد سبقت به الشريعة الغراء التشريعات الوضعية الحديثة  منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان ؛ إذ بعد أن أوجبت الشريعة الكتابة كوسيلة لإثبات الدين المؤجل سواء أكبرت قيمته أو صغرت في قوله سبحانه : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ “[ سورة البقرة – الآية 282] استثنت من هذا المبدأ العام الديون التجارية وأجازت إثباتها بدون الكتابة ؛ وذلك لقوله سبحانه : “ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ” [ سورة البقرة – الآية 282]

وقد أخذ النظام السعودي بمبدأ حرية الإثبات ؛ حيث يقضي نص المادة (38) من نظام المحاكم التجارية بأنه :

  1. ” فيما لم يرد فيه نص خاص في الأنظمة التجارية، تسري أحكام هذا الفصل على إجراءات الإثبات في الدعاوى التي تختص بنظرها المحكمة.
  2. لا يلزم لإثبات الالتزام شكل خاص، ما لم تتفق الأطراف على غير ذلك.
  3. للمحكمة أن تعتدّ بإجراءات الإثبات التي جرت في دولة أجنبية ما لم تخالف أحكام النظام العام.
  4. دون إخلال بالنظام العام، إذا اتفق الأطراف على قواعد محددة في الإثبات؛ فَتُعمِل المحكمة اتفاقَهم.
  5. فيما لم يرد فيه نص خاص، يجوز الاتفاق على نقل عبء الإثبات.”

ولكن مع أخذ المنظم السعودي بمبدأ حرية الإثبات في المسائل التجارية إلا أن هذا المبدأ ليس مطلقا بل ترد عليه بعض الاستثناءات ، ومنها ما نصت عليه المادة 12 من نظام الشركات من اشتراط الكتابة لثبوت عقد الشركة ؛ حيث يقضي النص بأنه :

” باستثناء شركة المحاصَّة، يجب أن يكون عقد تأسيس الشركة وكل ما يطرأ عليه من تعديل مكتوباً، وإلا كان العقد أو التعديل باطلاً، ويكون تأسيس وتعديل عقد تأسيسها بعد استكمال ما يلزم من متطلبات وفق ما ينص عليه في هذا النظام أو ما تحدده الوزارة.”[14]

وكذلك ما نصت عليه المادة 152 من نظام المحكمة التجارية من اشتراط الكتابة لثبوت عقد بيع السفينة.

فضلا عن ان ثمة أعمال تجارية لا تقع بطبيعتها إلا في شكل محررات مكتوبة كالشيك والسند الإذني والكمبيالة ، وكذلك عمليات البنوك.

المطلب الثالث
افتراض التضامن بين المدينين

تقضي القواعد العامة بأن التضامن لا يتقرر في المسائل المدنية إلا بنص القانون أو باتفاق المتعاقدين ، وبعبارة أخرى يمكن القول بان التضامن لا يفترض بين المدينين بدين مدني ، وذلك على خلاف ما هو مقرر في المواد التجارية ؛ فالأصل فيها أن التضامن قائم بين المدينين بدين تجاري في حال تعددهم ، ويلزم لنفي التضامن وجود الاتفاق الصريح أو النص القانوني.

والهدف من جعل التضامن هو الأصل في حالة تعدد المدينين بدين تجاري هو دعم الائتمان التجاري ؛ إذ التضامن بين المدينين سيمكن الدائن من ان يطالب بالدين كله من شاء من المدينين المتضامنين أو يطالبهم جميعا ، وليس للمدين المتضامن أن يتمسك في مواجهة الدائن لا بالتقسيم ، ولا بالتجريد.

المطلب الرابع
نظرة الميسرة أو المهلة القضائية للمدين

تجيز القواعد العامة للقاضي ان يمنح المدين في الدين المدني مهلة لتنفيذ التزامه متى استدعى واقع الحال ذلك ، وبشرط عدم لحوق ضرر جسيم بالدائن، أما المدين في الدين التجاري فالقاعدة هي التشدد معه ، وعدم الرأفة به ؛ ونجد صدى هذا في نظام الأوراق التجارية السعودي ؛ إذ يجري نص المادة 63 منه على أنه :

” لا يجوز منح مهل للوفاء بقيمة الكمبيالات أو للقيام بأي إجراء متعلق بها إلا في الأحوال المنصوص عليها في النظام. ​”

ويرى أغلب الفقه أن النص المتقدم وإن كان قد ورد بخصوص الكمبيالة إلا أنه يطبق على جميع الأوراق التجارية ، ومن ثم فإنه يطبق على الشيك والسند الإذني متى ثبتت لهما الصفة التجارية.([15])

المطلب الخامس
الإعذار

القاعدة العامة هي أن الإخلال أو التقصير في الوفاء بالالتزامات التعاقدية لا يثبت إلا بعد أن يقوم الدائن بإعذار مدينه بتكليفه بتنفيذ التزاماته ؛ إذ الأصل في نطاق المعاملات المدنية أن مجرد عدم قيام المدين بالوفاء بالتزاماته لا يكفي لاعتباره ممتنعا أو وضعه موضع التقصير ،ومن  ثم يجب على الدائن في الالتزام المدني ان يقوم بإعذار المدين حتى يستحق التعويض أو يكون بإمكانه رفع الدعوى بفسخ التعاقد.

والإعذار في المسائل المدنية يتم بورقة رسمية بواسطة أحد رجال السلطة العامة ، أما في المسائل التجارية فالإعذار يمكن أن يتم بجميع الوسائل كخطاب موصى عليه بعلم الوصول أو برقية ، أو فاكس وغير ذلك مما جرى عليه العرف التجاري[16].

المطلب السادس
الإفلاس

تضع أغلب التشريعات التجارية نظاما خاصا بالتنفيذ على أموال المدين التاجر متى توقف عن دفع ديونه التجارية على نحو ينبئ عن اضطراب في مركزه المالي ، وهو ما يعرف بنظام الإفلاس ، والذي هو نظام يختلف في أحكامه وإجراءاته وآثاره عن النظام المتبع في حال تخلف المدين عن الوفاء بديونه المدنية (العادية) ، والتي يحكمها نظام الإعسار المدني.

ويتميز نظام الإفلاس بالشدة على المدين حماية للدائنين من غش الدائن لهم[17] ، وحماية للضمان العام.

ويقصد بالإفلاس تصفية أموال المدين التاجر تصفية جماعية إذا ما توقف عن دفع ديونه التجارية[18] ؛ بقصد توزيع الأموال على جماعة الدائنين وقسمتها بينهم قسمة غرماء.

وقد خصص نظام المحكمة التجارية الفصل العاشر من الباب الأول ( المواد من 103 إلى 135).

——————————–

المراجع :

  • القرآن الكريم

أولا : الكتب :

  1. د. أكثم الخولي – دروس في القانون التجاري السعودي ، معهد الإدارة العامة بالرياض 1973
  2. د. علي البارودي ( القانون التجاري ) منشأة المعارف ، الإسكندرية 1975
  3. د. محمود مختار بريري – قانون المعاملات المدنية – دار النهضة العربية ، القاهرة 2000م
  4. د. سميحة القليوبي – الوسيط في شرح قانون التجارة المصري – الجزء الأول ” نظرية الأعمال التجارية والتاجر ..” ، دار النهضة العربية ، القاهرة
  5. د. محمد حسن الجبر – القانون التجاري السعودي ، الطبعة الرابعة ، الرياض 1417ه 
  6. د. محمد لبيب شنب – دروس في نظرية الالتزام ، الإثبات وأحكام الالتزام  دار النهضة العربية ، القاهرة 1977
  7. الدكتور مصطفى كمال طه – الوجيز في القانون التجاري – الجزء الأول طبعة 1971

ثانيا : الأنظمة واللوائح

  1. النظام التجاري ( نظام المحكمة التجارية)
  2. نظام المرافعات الشرعية الصادر مرسوم ملكي رقم ( م/1 ) بتاريخ 22 / 1 / 1435
  3. نظام المحاكم التجارية الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم 511 بتاريخ 14-8-1441 هـ

[1] – يجري المادة الأولى من قانون التجارة المصري رقم 17 لسنة 1999 على أنه :

” تسري أحكام هذا القانون على الأعمال التجارية وعلى كل شخص طبيعي أو اعتباري تثبت له صفة التاجر”

–  كما جاء بنص المادة 1 /2 من قانون التجارة الأردني رقم 12 لسنة 1966 ما نصه :

” يتضمن هذا القانون من جهة القواعد المختصة بالأعمال التجارية التي يقوم بها أي شخص مهما كانت صفته القانونية ، ويتضمن من جهة أخرى الأحكام التي تطبق على الأشخاص الذين اتخذوا التجارة مهنة”

– وقد جرى نص المادة الأولى من قانون المعاملات التجارية الإماراتي على أنه :

” تسري أحكام هذا القانون على التجار ، وعلى جميع الأعمال التجارية التي يقوم بها أي شخص ولو كان غير تاجر”

[2] – د. أكثم الخولي – دروس في القانون التجاري السعودي ، معهد الإدارة العامة بالرياض 1973

– ود. علي البارودي ( القانون التجاري ) منشأة المعارف ، الإسكندرية 1975

[3] – فالقانون التجاري وفقا للنظرية الموضوعية (المادية) هو قانون الأعمال التجارية ، فإذا قام شخص بعمل تجاري فإن هذا العمل تحكمه قواعد القانون التجاري سواء كان القائم به تاجر أم غير تاجر، و حتى و لو قام به مرة واحدة.

[4] – د. محمود مختار بريري – قانون المعاملات المدنية – دار النهضة العربية ، القاهرة 2000م ، ص 63

[5] – د. سميحة القليوبي – الوسيط في شرح قانون التجارة المصري – الجزء الأول ” نظرية الأعمال التجارية والتاجر ..” ، دار النهضة العربية ، القاهرة 2012 ص 118

[6] – تم إلغاء العبارة الواردة في الفقرة ( د ) من المادة ( 2 ) بموجب المرسوم الملكي رقم ( م/1 ) وتاريخ 22 / 1 / 1435 هـ والتي جاء فيها”……متى كان المقاول متعهداً بتوريد المؤن والأدوات اللازمة لها”.

[7] – – د. محمد حسن الجبر – القانون التجاري السعودي ، الطبعة الرابعة ، الرياض 1417ه  ص 48

[8] – والنظرية المادية لا تنظر إلى صفة أو شخص القائم بالعمل ، بل الى العمل في ذاته ، وما إذ كان من بين الأعمال التي ينص القانون على اعتبارها تجارية أم لا.

[9] –    د. محمد حسن الجبر – مرجع سابق ص 11

[10] – تم إلغاء هذه المادة بموجب المرسوم الملكي رقم ( م/1 ) وتاريخ 22 / 1 / 1435 هــ .

[11] –  أُلغيت هذه المادة بموجب المرسوم الملكي (م/93) وتاريخ 15/8/1441هـ، الصادر بشأن الموافقة على نظام المحاكم التجارية.

[12] – د. محمد لبيب شنب – دروس في نظرية الالتزام ، الإثبات وأحكام الالتزام  دار النهضة العربية ، القاهرة 1977ص5

وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن :

” المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن الإثبات بمعناه القانوني هو إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها القانون فهو قوام الحق الذى يتجرد من قوته ما لم يقدم الدليل عليه .”

(الطعن رقم ٢٤٣٩ لسنة ٧٢ قضائية – جلسة 7/2/2015م)

[13] – د. محمد حسن الجبر – مرجع سابق  ص 44

[14] – هذه المادة معدلة بالمرسوم الملكي رقم 79 وتاريخ 25/7/1439ه ، وقد كان نصها قبل التعديل يجري على أنه :

 ” 1- باستثناء شركة المحاصَّة، يجب أن يكون عقد تأسيس الشركة وكل ما يطرأ عليه من تعديل مكتوباً، وموثقاً من الجهة المختصة نظاماً بالتوثيق، وإلا كان العقد أو التعديل باطلاً.

2- يكون مسؤولاً كل من تسبب في عدم توثيق عقد تأسيس الشركة أو ما يطرأ عليه من تعديل على النحو الوارد في الفقرة (1) من هذه المادة، من الشركاء أو مديري الشركة أو أعضاء مجلس إدارتها – بحسب الأحوال – بالتضامن عن تعويض الضرر الذي يصيب الشركة أو الشركاء أو الغير من جراء ذلك.”

[15] –  د. محمد حسن الجبر – مرجع سابق ص 46

[16] – يرى الدكتور مصطفى كمال طه أن الإعذار في المواد التجارية يتحقق بالخطاب العادي ( انظر كتابه الوجيز في القانون التجاري – الجزء الأول طبعة 1971 – ص 46 وما بعدها)

[17] – يجري نص المادة 136 من نظام المحكمة التجارية على أنه :

”  المفلس احتيالا المنصوص عليه في المادة (107) من هذا النظام ومن يثبت أنه شريكه في إخفاء أمواله وترتيب حيله يعاقب بالحبس من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات.”

كما يجري نص المادة 137 من ذات النظام على أنه :

” المفلس تقصيرا يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وكذا المفلس الحقيقي إذا امتنع عن تقديم ما ألزم به بموجب المادة (109) “

[18] – ولا يشترط أن يكون الدائن تاجرا بل يكفي أن يكون المدين هو التاجر وأن يكون الدين دينا تجاريا.

تعليقات فيس بوك
Sending
User Review
5 (1 vote)

عن الكاتب

محمد خالد شرف المحامي بالنقض

محامي حر ومستشار قانوني لأكثر من تسعة عشر عاما ،أنشأت هذه المدونة إثراء للمحتوى والفكر القانوني المصري والعربي على شبكة الأنترنت ،ولمساعدة زملائي المحامين وخاصة المبتدأين منهم في الوصول إلى المعلومة القانونية الصحيحة في بداية مسيرتهم المهنية.

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.