التشريع كمصدر من مصادر القانون | مع إشارة وجيزة للوضع في دولة الإمارات العربية المتحدة

الصورة بواسطة  Kendall Hoopes من Pexels

مقدمة

القانون في جوهره مجموعة قواعد سلوكية ، نشأت بقصد تنظيم حركة أفراد المجتمع ، وحسم ما قد ينشب بينهم من نزاعات ، ويسوي ما قد يثور بينهم من خلافات ؛ بحيث أنه إذا لم يوجد مجتمع فلا تقوم الحاجة إلى القانون ، ومن هنا  تتبدى قيمة التشريع كأهم المصادر الرسمية للقاعدة القانونية ، ومدى ضرورته القصوى لحياة الدولة ، والمجتمع ، والتي هي فرعٌ على أهمية القانون في معناه العام ، الذي بدونه لا يتحقق أمن ، ولا استقرار ، ولا تنمية ؛ فلا شك أن المجتمع متى خلا من ظلال القانون لن يكون مجتمعا متمدينا حضاريا بأي حال، بل لن يغدو كونه غابة وحشية يأكل القوي فيها الضعيف فتتعثر مسيرة الحياة ، ويطغى عليها الاضطراب ، والفوضى ، وينتفي منها التوازن والأمن والاستقرار. وعلى العكس من ذلك يكون الحال في المجتمعات التي تعيش تحت ظلال القانون حيث ترى التوازن فيها باديا ، والأمن والاستقرار فيها متحققين ، حيث إن تشبع فكر أبناء تلك المجتمعات بمبادئ القانون قد أضفى عليها صفة الاستقرار تلك ، ومن ثم كان الإيمان بضرورة وجود القانون وحتمية الامتثال لقواعده دليل على رقي المجتمع وتحضره .

وإزاء تلك الأهمية العظمى للتشريع ، ولكونه أهم مصادر القانون الرسمية ؛ جاء بحثنا هذا ، والذي قصدنا من وراءه بيان ماهية التشريع ، ومفهومه ؛ وبيان خصائصه ومزاياه ،وطرق وضعه، حيث استهللنا البحث بتعريف القانون ، والقاعدة القانونية ، ثم تطرقنا إلى التعريف بمصادر القانون ، وبيان مكانة التشريع كأهم المصادر الرسمية للقانون ، ثم عرجنا على التشريع مبينين تعريفه ، وخصائصه ومزاياه ، وطرق وضعه ، ثم تطرقنا من بعد إلى بيان آليات وضع التشريع في دولة الإمارات العربية المتحدة في ضوء نصوص الدستور .  

أهمية البحث

تأتي أهمية هذا البحث من تلك المرتبة التي يحتلها التشريع في قمة هرم المصادر الرسمية للقانون ” القواعد القانونية ” ، والتي من المفترض أنها أهم مظاهر تعبير الدولة ، والمجتمع  عن إرادتيهما في تحديد ، وتنظيم ، شكل ، ومضمون العلاقة بين الدولة والأفراد من جانب ، وبين الأفراد وبعضهم البعض من جانب آخر ، فضلا عن تحديده لشكل ، ومضمون العلاقة بين وحدات الدولة ، وأجهزتها ، وهيئاتها من جهة أخرى .

أهداف البحث

إن التعريف بالتشريع ، هو الغاية والهدف من وراء هذا البحث ، الذي أردنا منه إلقاء الضوء على هذا المصدر الهام من بين مصادر القانون الرسمية لنقف على حقيقة مفهومه ، ومعناه ، ونبرز مكانته الهامة بين تلك المصادر، ونكشف عن خصائصه ، ثم نبين أنواعه وأشكاله المختلفة، وأخيراًً نوضح كيفية سن التشريع ونفاده ، مع إشارة خاصة إلى آليات وضع التشريع في دولة الإمارات العربية المتحدة .

مشكلة البحث

تتمثل مشكلة البحث في التعريف بالقانون ، والقاعدة القانونية ، ثم التعريف بمصادر القانون ، وأنواعها ، وبيان مكانة التشريع كأهم المصادر الرسمية للقانون ، مع بيان ماهية التشريع ، ومفهومه ؛ وأهم خصائصه ، وطرق وضعه .

 منهجية البحث

وفيما يتعلق بالمنهج المتبع في هذا البحث ، فقد تم اتباع المنهج الوصفي التحليلي ، حيث قمنا بوصف منظم للأفكار ، والاصطلاحات موضوع البحث ، وحددنا مفاهيمها ، وحقيقتها ، ثم قمنا بتحليل وتفسير العلاقة بينها في إطار منطقي تراتبي فرض علينا التعريف بالقانون ، والقاعدة القانونية ابتداءً ، ثم التعريف بمصادر القانون ، والتمييز بينها ، قبل أن ننطلق إلى جوهر البحث ، وغايته الأساسية من البحث وهي التعريف بالتشريع كمصدر للقانون ، وبيان مفهومه ، وخصائصه ، ومزاياه ، وعيوبه ، وطرق وضعه .

خطة البحث

  • الفصل الأول : مفهوم القانون وخصائصه ، ومصادره .
  • المبحث الأول : مفهوم القانون .
  • المطلب الأول : تعريف القانون ، والقاعدة القانونية .
  • المطلب الثاني : خصائص القانون  ، والقاعدة القانونية .
  • المبحث الثاني : مصادر القانون .
  • المطلب الأول : نظرة عامة على مصادر القانون
  • المطلب الثاني : المصادر الرسمية للقانون
  • الفصل الثاني : التشريع كمصدر من مصادر القانون .
  • المبحث الأول : مفهوم التشريع وخصائصه
  • المطلب الأول : تعريف التشريع .
  • المطلب الثاني : خصائص التشريع .
  • المبحث الثاني : أنواع التشريع ، وكيف يتم وضعه.
  • المطلب الأول : أنواع التشريع  .
  • المطلب الثاني : كيفية وضع التشريع

الفصل الأول

مفهوم القانون ، وخصائصه ، ومصادره .

المجتمع البشري بطبيعته تتفاوت فيه قدرات أفراده وتتضارب فيه مصالحهم، وهو ما يحتم أن تصاغ فيه مجموعة من القواعد القانونية التي ترسم نظام الحياة فيه، وتنظم كيفية ممارسة الأفراد لأنشطتهم المختلفة، وتبين لهم حقوقهم وواجباتهم بالقدر الذى يحقق لهم قدراً مُرضيا من العدالة والمساواة، وهذا هو القانون .

وسوف نتناول في هذا الفصل مفهوم القانون ، وخصائصه ، ومصادره ، وذلك من خلال المبحثين التاليين :

المبحث الأول

مفهوم القانون

المطلب الأول

تعريف القانون والقاعدة القانونية

  • تعريف القانون :

يمكن تعريف القانون بأنه : ” مجموعة من القواعد القانونية العامة المجردة تنظم سلوك الأفراد والأشخاص على سبيل الجبر ، والإلزام من خلال ما تملكه السلطات العامة من آليات وصلاحيات لإجبار الأفراد في المجتمع على احترام تلك القواعد والانصياع لها .”

ويتضح لنا من خلال هذا التعريف أن للقواعد القانونية – التي تمثل وحدات يتكون منها القانون- خصائص وصفات معينة، ينبغي توافرها لكى نضفى على ما يسود في المجتمع من قواعد ما صفة القواعد القانونية.

 ومحل بيان تلك الخصائص هو المطلب الثاني من هذا المبحث .

المطلب الثاني

خصائص القانون ” القاعدة القانونية “

يتضح لنا من خلال تعريف القانون أنه لا يمكن أن تحظى أية قواعد ما بوصف القواعد القانونية ما لم تتسم بجملة من الخصائص والمميزات .

ونبين فيما يلي بيان خصائص القاعدة القانونية بشيء من الإيجاز :

  • (1)- القاعدة القانونية قاعدة سلوك

إن القانون ليس غاية في حد ذاته، إنما هو وسيلة وأداة لتوجيه السلوك الإنساني للأفراد في المجتمع. فواضع القانون يرسم للأفراد- من خلال القواعد القانونية- السلوك الذى يحسن بهم أن يسيروا على منواله ويقتفوا أثره في تصرفاتهم حيال بعضهم البعض أو فيما بينهم وبين الكيان السياسي الذى يعيشون فيه بأجهزته وسلطاته المختلفة، وفقاً لعقيدة معينة يرغب في تثبيتها وترسيخها في نفوس أفراد المجتمع.

  •  (2)- القاعدة القانونية قاعدة عامة مجردة

ليس كل خطاب موجه إلى الأفراد للتكليف بإتيان أمر ما أو بالامتناع عنه يعد قاعدة قانونية، إذ يشترط في هذا الخطاب كي تصدق عليه صفة القاعدة القانونية أن يكون خطاباً عاماً مجرداً، بمعنى أن يوجه هذا الخطاب إلى جميع الأشخاص أو الوقائع التي تتوافر فيها شروط انطباقه، فلا يخاطب شخصاً بعينه أو أشخاصاً بذواتهم، ولا يخص واقعة بعينها أو وقائع محددة بالذات.

 وتمتع القاعدة القانونية بصفتي العمومية والتجريد هو ما يكسبها صفة الدوام؛ فتصلح للتطبيق في الحال على الواقعة أو الشخص الذى تنطبق عليه شروطها وأوصافها، كما تصلح للتطبيق أيضاً في المستقبل على كافة الوقائع الأخرى المماثلة أو على الأشخاص الآخرين الذين تتحقق فيهم أوصاف القاعدة وشروطها، وهى بذلك تختلف عن الأمر أو القرار الفردي الذى يفرغ مضمونه ويزول أثره بمجرد تطبيقه على واقعة محددة أو شخص بعينه.

ولا ينفى عن القاعدة القانونية وصف العموم والتجريد، أنها لا تنطبق إلا على شخص واحد على أرض الدولة، فالقواعد التي تنظم المركز القانوني لرئيس الدولة وتحدد اختصاصاته، تعد قواعد قانونية تتسم بالعمومية والتجريد، لأنها وإن تعلقت بشخص واحد إلا أنها لا تخاطبه باسمه وذاته وإنما تخاطبه بصفته، فالعبرة هنا ليست بعدد من تخاطبهم القاعدة القانونية- قل أو كثر- وإنما العبرة بكونها لا تخص أشخاصاً بذواتهم أو وقائع بعينها، وأنها تخاطبهم بأوصافهم وشروطهم .

  • (3)- القاعدة القانونية قاعدة اجتماعية

فالقانون والمجتمع لا غناء لأحدهما عن الآخر، إذ لا يتصور وجود قانون في بيئة تخلو من أفراد يأتمرون فيها بأوامره وينتهون عن نواهيه، كما أن حياة الأفراد وتعايشهم لا يطاق في مجتمع يخلو من نظام قانوني ينظم سلوكياتهم ، بالقدر الذى يحقق التوازن المعقول بين الحقوق والواجبات التي يفرضها عليهم في مواجهة بعضهم البعض في كل جوانب الحياة، فالإنسان بقدر حاجته إلى المجتمع هو في مسيس الحاجة أيضاً إلى القانون، بحيث لا يمكنه أن يستغنى عن أحدهما بالآخر.

  • (4)- القاعدة القانونية قاعدة ملزمة

يقصد بأن القاعدة القانونية قاعدة ملزمة، أن الأفراد المخاطبين بها إن لم ينصاعوا إلى العمل بمضمونها رضاءً واختياراً، أكرهوا على ذلك قسراً وجبراً.

ولا شك أن حمل الأفراد على احترام قواعد القانون كرهاً يقتضى بالضرورة أن يكون لها جزاءات تتولى السلطة العامة في الدولة- بما تملكه من وسائل القهر والإجبار- مهمة توقيعها وتنفيذها على الخارجين عليها أو المخالفين لها.

المبحث الثاني

مصادر القانون

 البحث عن مصادر القانون هو البحث عن الأسباب المنشئة للقواعد القانونية في مجتمع معين  ؛ فمصدر أي شيء هو أصله ومنبعه، ومن ثم فإن المقصود من مصادر القانون أن نتعرف على أصوله ومنابعه التي يُستقى منها.

وسوف نلقي من خلال المطلب القادم إطلالة سريعة على تقسيمات المصادر المختلفة للقانون ، ثم نخصص المطلب الذي يليه للحديث عن المصادر الرسمية للقانون .

المطلب الأول :

نظرة عامة على مصادر القانون

أولاً: المصدر التاريخي للقانون:

يقصد بالمصدر التاريخي للقانون الأصول أو الجذور التاريخية التي ينتسب إليها ذلك القانون في نشأته وقيامه، فمثلاً إذا نظرنا إلى القانون الإماراتي ، نجد أن القانون قواعد الشريعة الاسلامية تمثل مصدرا تاريخيا لقانون المعاملات المدنية نبعت منها قواعده القانونية، كما يمثل القانون الروماني مصدراً تاريخياً لقواعد القانون الفرنسي ، ويمثل القانون المدني الفرنسي مصدراً تاريخياً للقانون المدني المصري.

وتظهر قيمة المصدر التاريخي لأى قانون من القوانين في الرجوع إليه لإزالة الغموض أو اللبس الذى قد يعترى بعض القواعد القانونية في القانون المقتبس منه.

ثانياً: المصدر المادي أو الموضوعي للقانون:

يقصد بالمصدر المادي أو الموضوعي للقانون مجموعة الظروف أو العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والدينية السائدة في مجتمع معين ، والتي تملى على القائمين بسن القوانين والتشريعات فيه النظر إليها بوصفها المواد الأولية يستعملونها في صياغة وتكوين قواعد القانون في هذا المجتمع، بحيث تكون هذه القواعد تعبيراًً صادقاً عن ظروف المجتمع المختلفة.

ثالثاً: المصدر الرسمي أو الشكلي للقانون:

يقصد بالمصدر الرسمي أو الشكلي للقانون هو الأسلوب أو الطريقة المعتمدة التي تكتسب من خلالها قواعد السلوك صفة القواعد القانونية فتصير ملزمة للأشخاص المخاطبين بها وواجبه التطبيق أمام الجهات القضائية.

رابعاً: المصدر التفسيري للقانون:

 يقصد بالمصدر التفسيري للقانون المرجع الذى يستعان به في تفسير قواعد القانون لتحديد مضمونها وإزالة جوانب اللبس أو الغموض فيها.

ويمثل كل من الفقه والقضاء مصدرين تفسيريين في كل من الإمارات وفرنسا ومصر ، ولا يتجاوز دورهما حد التفسير؛ فهما لا يصنعان القانون بل يفسران غموض قواعده ويحددان مضامينها .

المطلب الثاني

المصادر الرسمية للقانون

حددت المادة الأولى من قانون المعاملات المدنية الإماراتي المصادر الرسمية للقانون الإماراتي ، إذ تنص على أن :

 ” تسرى النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها وفحواها ، ولا مساغ للاجتهاد في مورد النص القطعي الدلالة، فإذا لم يجد القاضي نصاً في هذا القانون حكم بمقتضى الشريعة الإسلامية .على أن يراعي تخير أنسب الحلول من مذهبي الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل فإذا لم يجد فمن مذهبي الإمام الشافعي والإمام أبي حنيفة حسبما تقضي المصلحة .

فإذا لم يجد حكم القاضي بمقتضى العرف على ألا يكون متعارضا مع النظام العام والآداب ، وإذا كان العرف خاصا بإمارة معينة فيسري حكمه على هذه الإمارة “.

 ويستفاد من هذا النص أن المصادر الرسمية للقانون الإماراتي تأخذ تدرجاً هرمياً من حيث المرتبة والدرجة، ويحتل فيه التشريع موضع القمة منه؛ بحيث يجب الرجوع إليه أولاً، فإذا ما خلا التشريع من نص قانوني ينظم المسألة محل النزاع وجب على القاضي أن يلجأ إلى المصدر الثاني من مصادر القانون الرسمية ألا وهي الشريعة الإسلامية الغرَّاء، فإذا لم يهتدي القاضي إلى قاعدة في الشريعة يستعين بها في حسم النزاع أو المسألة المطروحة بمجلسه، وجب عليه الرجوع إلى العرف ؛ بوصفه المصدر الثالث من المصادر الرسمية للقانون .

إذن فمصادر القاعدة القانونية الرسمية حسب ترتيبها ودرجاتها هي :

(1)- التشريع .           (2)- الشريعة الإسلامية الغراء .          (3)- العرف .

الفصل الثاني

التشريع كمصدر من مصادر القانون

سنحاول من خلال هذا الفصل أن نلقى الضوء على هذا المصدر الهام من بين مصادر القانون الرسمية لنقف على حقيقته ومعناه ،وخصائصه ، ونبرز مكانته الهامة بين هذه المصادر، ، ثم نبين أنواعه وأشكاله المختلفة، وأخيراًً نوضح كيفية سن التشريع ،  مع إشارة خاصة إلى آليات وضع التشريع في دولة الإمارات العربية المتحدة .

وذلك من خلال المبحثين التاليين :

المبحث الأول

مفهوم التشريع وخصائصه.

المطلب الأول

تعريف التشريع

 يستعمل لفظ التشريع عادة ويراد من استعماله أحد هذين المعنيين :

 أولهما: أنه قد يستعمل للدلالة على عملية وضع وصياغة القواعد القانونية ذاتها فيراد به قيام السلطة المختصة ([1]) بسن القواعد القانونية وصياغتها والتشريع بهذا المعنى يعد مصدراً رسمياً أصلياً للقانون .

والآخر: أنه قد يستعمل للدلالة على القواعد القانونية ذاتها الصادرة عن السلطة المختصة، فيراد به مجموعة القواعد القانونية المنظمة لنشاط معين من أنشطة السلوك الإنساني فيقال مثلاً تشريع العمل أو تشريع الضرائب أو تشريع التأمينات الاجتماعية.

وبذلك يستعمل لفظ التشريع بوصفه تعبيرا عن المصدر المنشئ للقاعدة القانونية، وقد يستعمل بوصفه تعبيرا عن القاعدة القانونية المستمدة من هذا المصدر.

المطلب الثاني

خصائص التشريع

يتبين من تعريف التشريع أنه يتمتع بعدة خصائص أهمها :

(1)- التشريع يتضمن قواعد قانونية :

 يتضمن التشريع قاعدة أو مجموعة من القواعد القانونية بخصائصها المشار إليها في الفصل الأول من هذا البحث .

(2)- التشريع يصدر في وثيقة مكتوبة :

من أهم خصائص التشريع أنه يتضمن قاعدة قانونية مكتوبة في وثيقة رسمية ، وصدور التشريع في وثيقة رسمية مكتوبة لا يدع مجالا للشك حول إثبات وجود القاعدة القانونية ، أو تاريخ نشأتها ، فضلا عن أنه يسمح بتحديد نطاق سريان القاعدة القانونية من حيث الزمان ، وإذا ما تقرر إلغاء قاعدة أو مجموعة من القواعد القانونية بموجب تشريع لاحق ، فإن تاريخ نفاذ ذلك التشريع سيكون محددا وثابتا على وجه يقيني .

(3)- التشريع تصدره سلطة مختصة بوضعه :

القاعدة القانونية التشريعية لا تتكون بطريقة تلقائية داخل المجتمع ،كما هو الحال بالنسبة للعرف ، بل لابد من تدخل إرادة واعية تتولى وضعها ، والإلزام بها ، وتتمثل تلك الإرادة في السلطة التشريعية التي يمنحها الدستور بوصفها سلطة عامة ذات سيادة الاختصاص بوضع التشريعات .

وقد يصدر التشريع مباشرة عن طريق الشعب من خلال الاستفتاء الشعبي ، كما يصدر التشريع عن السلطة التنفيذية في إطار ما يمنحها الدستور من سلطة إصدار اللوائح والتشريعات الفرعية ، والتي يصدق عليها وصف التشريع من الناحية الموضوعية إذا ما صدرت في نطاق اختصاصها ، وفي إطار القانون العام ، وتضمنت قواعد عامة مجردة .

المبحث الثاني

أنواع التشريع ، وكيف يتم وضعه

المطلب الأول

أنواع التشريع

يتخذ التشريع أنواعاً وأشكالاً مختلفة، تتباين فيما بينها تبعاً لاختلاف السلطة أو الجهة التي تصدرها، والموضوعات والمسائل التي تتناولها وتعالجها. وعلى هذا الأساس توجد أنواع ثلاثة للتشريع، فهناك التشريع الأساسي أو الدستور، وهناك التشريع العادي، وأخيراً يوجد ما يسمى بالتشريع الفرعي أو اللوائح.

  • التشريع الأساسي أو الدستور :

 يقصد بالتشريع الأساسي أو الدستور ، مجموعة القواعد القانونية التي تحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها، واختصاصات سلطاتها العامة، وتنظم حقوق الأفراد وحرياتهم وضمانات حمايتها.

ويعتبر الدستور أو التشريع الأساسي أسمى وأرقى أنواع التشريع، وبناء على ذلك لا يجوز لتشريع أدنى منه أن يخالفه أو يعارضه، وإلا طعن عليه بعدم دستوريته ، ولقد سمى الدستور بالتشريع الأساسي نظراً لأهمية موضوعاته التي يعالجها، فهو يضع الأسس الجوهرية التي تقوم عليها الدولة.

  • التشريع العادي :

يقصد بالتشريع العادي – وهو ما يسميه البعض التشريع الرئيسي – التشريع الذى تسنه السلطة التشريعية في الدولة في حدود اختصاصها المبين في الدستور. وتعتبر السلطة التشريعية كأصل عام (ممثلة في دولة الإمارات في المجلس الوطني الاتحادي) هي الجهة صاحب الاختصاص الأصيل بسن القوانين أو التشريعات العادية.

  • لوائح الضبط :

يقصد بلوائح الضبط ما تسنه السلطة التنفيذية ( ممثلة في دولة الإمارات في مجلس الوزراء بمقتضى المادة 60 من الدستور )، من قواعد قانونية لحفظ الأمن العام والصحة العامة في المجتمع،  مثل لوائح المرور،  ولوائح الباعة الجائلين، ولوائح المحال المقلقة للراحة أو الضارة بالصحة .

المطلب الثاني

كيف يتم وضع التشريع

أولا : كيفية وضع الدستور

  • نظرة عامة على كيفية وضع الدساتير :

توجد طرق مختلفة لسن الدساتير تختلف فيما بينها تبعاً لاختلاف الظروف السياسية السائدة في الدولة ، فالدستور قد يصدر في شكل منحة من الحاكم إلى شعبه، يتنازل لهم فيه عن بعض حقوقه وسلطاته إرضاءً لهم، فيصدر الحاكم قرار المنح نزولاً إلى إرادة شعبه تجنباً لثورته عليه، مقيداً بذلك سلطاته نحوهم بعد أن كانت مطلقة، ويعتبر الدستور المصري الصادر في عام 1923 خير مثال لهذه الطريقة من طرق سن الدساتير، فقد صدر منحة من جانب الملك فؤاد .

وقد يصدر الدستور في شكل اتفاق أو عقد تتلاقى فيه إرادتا كل من الحاكم وشعبه أو ممثلي هذا الشعب، ومن أمثلة الدساتير التي صدرت بهذه الطريقة دستور فرنسا في عام 1830م، ودستور الكويت عام 1962، ودستور السودان عام 1973.

وقد يصدر الدستور من جمعية تأسيسية منتخبة من قبل الشعب لهذا الغرض، ويصير الدستور نافذاً بمجرد إتمام وضعه وصياغته من جانب هذه الجمعية، دون حاجة إلى أي إجراء شكلي آخر مثل استفتاء أو موافقة الحاكم عليه، على أساس أن اختيار الشعب لهذه الجمعية وتفويضها يمتد ليشمل جميع مراحل سن الدستور ونفاذه، ومن أمثلة الدساتير التي صدرت بهذه الطريق دستور يوغسلافيا عام 1946، ودستور المجر عام 1949، ودستور ليبيا عام 1951.

وقد يصدر الدستور من جمعية تأسيسية على النحو السابق، مع عرضه بعد الانتهاء من صياغته ووضعه على الشعب في استفتاء عام، وتعد هذه الطريقة أكثر طرق وضع الدساتير قرباً من الديمقراطية المثالية.

  • كيف وضع دستور دولة الإمارات العربية المتحدة :

يرى بعض الفقه أن الدستور الإماراتي وضع بطريقة المنحة وسندهم في ذلك بعض صياغات وعبارات واردة في مقدمة الدستور ، بينما ذهب البعض الأخر إلى القول بأنه وضع عن طريق العقد بين حكام الإمارات أنفسهم وحجتهم في ذلك أيضا بعض الصياغات والعبارات التي وردت في مقدمة الدستور .

ويرى اتجاه ثالث – وهو الراجح – أن دستور دولة الإمارات ذو طبيعة خاصة من حيث الوضع والسمات وهذه الطبيعة الخاصة تتماشى مع نظام الدولة الفيدرالي ( إذ هو الوثيقة المنشأة لدولة الاتحاد ) ، وأنه قد حقق سعادة وتطور ونمو دولة الإمارات ؛ كونه يضمن الحقوق والحريات الفردية وفق أرفع المستويات العالمية ، وقد بدأ مؤقتاً عام 1971م وكان يجدد العمل به كل خمس سنوات ، ثم أصبح دستورا دائما في عام 1996م .

ثانيا : كيفية وضع التشريعات في دولة الإمارات العربية المتحدة :

ينص دستور دولة الإمارات على أن يتولى مجلس الوزراء اقتراح مشروعات القوانين الاتحادية ، وإحالتها إلى المجلس الوطني اتحادي قبل رفعها إلى رئيس الاتحاد لعرضها على المجلس الأعلى للتصديق عليها .

ويتم عرض تعرض مشروعات القوانين الاتحادية على المجلس الوطني الاتحادي قبل أن ترفع لرئيس الاتحاد للتصديق عليها من قبل المجلس الأعلى ، ويناقش تلك المشروعات من قبل المجلس الوطني الاتحادي ، وله ان يقرر الموافقة عليها ، أو أن يعدلها ، وله أن يقرر  رفضها .

ويصدر رئيس الاتحاد القانون بعد التصديق عليه من المجلس الأعلى.

وإذا أدخل المجلس الوطني الاتحادي تعديلا على مشروع القانون ،ولــم يكن هذا التعديل مقبولا لدى رئيس الاتحاد أو المجلس الأعلى، أو إذا رفض المجلـس الوطني الاتحادي المشروع، فإن لرئيس الاتحاد أو المجلس الأعلى أن يعيده إلى المجلس الوطني الاتحادي. فإذا أجرى المجلس الوطني الاتحادي في ذلك أي تعديل لم يكن مقبولا لدى رئيس الاتحاد أو رأى المجلس الأعلى أو رأى المجلس الوطني الاتحادي رفض المشروع ، كان لرئيس الاتحاد أن يصدر القانون بعد مصادقة المجلس الأعلى عليه .

وإذا ما اقتضى الحال أن تصدر قوانين اتحادية في غيبة المجلس الوطني الاتحــادي، فلمجلس الوزراء أن يسـتصدرها عــن المجلس الأعلى ورئيس الاتحاد ، ويتوجب أن يتم إخطار المجلس الاتحادي بها في اجتماعه الأول .

وخلال أسبوعين على الأكثر من تاريخ توقيع وإصدار القوانين من رئيس الاتحاد يتم نشرها في الجريدة الرسمية ، ويتم العمل بها بعد شهر من النشر ، ما لم ينص القانون على تاريخ آخر . (م/111 من الدستور ).

خاتمة

و في ختام ما عرضناه في بحثنا هذا، نأمل أن نكون قد وفقنا إلى تبيين مكانة التشريع كأهم المصادر الرسمية للقانون ، والقاعدة القانونية ، وهي المكانة التي لا يمكن أن ينال منها بحال من الأحوال ما يعيبه البعض على التشريع من عدم التلقائية الاجتماعية, وأنه وليد صنعة واضعه وليس ثمرةً طبيعيةً لتطور المجتمع ؛ إذ ليس افتقار التشريع إلى التلقائية الاجتماعية في تكوين قواعده عيباً في التشريع ذاته، بقدر ما هو عيب في تطبيق الديمقراطية في المجتمع، إذ المفترض أن يصدر التشريع عن سلطة منتخبة من قبل الشعب وممثلة لإرادته وبالتالي فمن الطبيعي أن تكون معبرة عن ظروفه وحاجاته فيما تسنه من قوانين ،ولذلك يجب على هذه السلطة لعلاج هذا العيب أن تحسن تمثيل دورها نيابة عن الشعب فتبذل قصارى جهدها في حسن صياغة التشريع ليكون تعبيراً صادقاً وترجمة حقيقية للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المجتمع، وأن توالى النظر في التشريع لتعديله أو إلغائه تلبية واستجابة لتغير ظروف المجتمع وتطورها.

و بحمد الله العلي القدير نختمه ، وصلاة وسلاما على النبي الأمين ، و على الأنبياء، و المرسلين و الصّحابة أجمعين .

المراجع

دستور دولة الإمارات الدائم .

دكتور / سمير عبد السيد تناغو : النظرية العامة للقانون .طبعة منشأة المعارف – الإسكندرية 1974.

دكتور/ محمد حسين منصور : المدخل إلى القانون ” القاعدة القانونية ” – منشورات الحلبي الحقوقية – لبنان 2010

دكتور / نعمان عطا الله الهيتي : تشريع القوانين ” دراسة دستورية مقارنة ” الطبعة الأولى 2007 – دار رسلان للطباعة والنشر والتوزيع – سوريا – دمشق


 (1)-  سواء أكانت هذه السلطة ممثلة في مجلس اتحادي أم مجلس الشعب أم مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وقد تكون هذه السلطة رئيس الدولة أو وزير مختص وذلك في بعض أنواع التشريع، وعلى ذلك يسمى القانون الصادر من مجلس الشعب تشريعاً، كما تسمى اللائحة الصادرة من الوزير المختص تشريعاً.

تعليقات فيس بوك
Sending
User Review
5 (1 vote)

عن الكاتب

محمد خالد شرف المحامي بالنقض

محامي حر ومستشار قانوني لأكثر من تسعة عشر عاما ،أنشأت هذه المدونة إثراء للمحتوى والفكر القانوني المصري والعربي على شبكة الأنترنت ،ولمساعدة زملائي المحامين وخاصة المبتدأين منهم في الوصول إلى المعلومة القانونية الصحيحة في بداية مسيرتهم المهنية.

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.