الاشتراط لمصلحة الغير في ضوء التقنين المدني | معناه | شروطه | آثاره

الصورة بواسطة Andrea Piacquadio من Pexels

الاشتراط لمصلحة الغير

تمهيــــد :

      إذا كانت نظرية التعهد عن الغير تمثل مظهرا من مظاهر تدعيم مبدأ نسبية أثر العقد، حيث لا يرتب عقد التعهد أي التزام في مواجهة الغير ، وللغير مطلق الحرية في قبول أو رفض الالتزام موضوع التعهد ، وحتى إذا أعرب عن إرادته في قبول موضوع التعهـد ، فإن التزامه به لا يتولد عن عقد التعهد الذي لم يكن طرفا فيه ، ولكنه ينشأ عن عقد جديد ينشأ بينه وبين المتعاقد مع المتعهد الذي أضحى طرفاً فيه بناءً على إرادته بقبوله للإيجاب المعروض عليه من جانب المتعاقد مع المتعهد ، فإن نظرية الاشتراط لمصلحة الغير تمثل استثناءً حقيقيا على مبدأ نسبية أثر العقد ، نظرا لأنها تتيح للغير الذي لم يكن طرفا في العقد ولا خلفاً عاماً أو خاصا لأحد طرفيه أن يتمسك بحق مباشر Un droit direct  ينشأ له عن هذا العقد في مواجهة أحد طرفيه بناء على الاشتراط الذي تم لصالحه.

أولاً : معنى الاشتراط لمصلحة الغير :

      الاشتراط لمصلحة الغير هو عقد يشترط فيه أحد العاقدين وهو المشترط على العاقد الآخر وهو المتعهد ، الالتزام في مواجهة شخص ثالث ليس طرفا في العقد وهو المشترط لصالحه (والذي يسمى باسم المستفيد أو المنتفع) ، فينشأ بذلك حق مباشر لهذا الأخير في مواجهة المتعهد ([1]) .

      ولعل من أبرز التطبيقات العملية لعقد الاشتراط لمصلحة الغير ، أن يبرم الأب عقد تأمين على حياته لصالح أولاده ، أو أن يبرم صاحب بضاعة عقد تأمين لمصلحة من تنتقل إليه ملكية البضاعة وقت تحقق الخطر المؤمـن منه ، أو أن يشترط الواهب على من وهبه أحد عقاراته بأن يدفـع إيراداً مرتباً مـدى الحياة لشخـص ثالث ، أو تأمين الراهن على العين المرهونة لصالح الدائن المرتهن .. إلخ.

ثانياً : شروط قيام الاشتراط لمصلحة الغير :

      يلزم لقيام الاشتراط لمصلحة الغير ، في ضوء النصوص القانونية المنظمة له (م 154 مدني ([2])) أن تتوافر فيه الشروط الآتيـة :

1- الشرط الأول : أن يتعاقد المشترط باسمه لا باسم المنتفع :

      يلزم في الاشتراط لمصلحة الغير أن يتعاقد المشترط باسمه لا باسم المنتفع ، وبذلك يتميز الاشتراط لمصلحة الغير عن النيابة أو الفضالة ، حيث لا يتعاقد النائب أو الفضولي باسمه ولكن يتعاقد الأول باسم الأصيل ويتعاقد الثاني باسم رب العمل ، هذا مع اختلاف أحكام كل من الاشتراط لمصلحة الغير عن النيابة أو الفضالة على ما سنرى .

2- الشرط الثاني : أن تتجه إرادة طرفي عقد الاشتراط إلى ترتيب حق مباشر للمنتفع :

      على خلاف النيابة والفضالة حيث تتجه الإرادة فيهما إلى ترتيب آثار العقد لصالح الأصيل أو رب العمل ، تتجه إرادة طرفي عقد الاشتراط لمصلحة الغير إلى ترتيب حق مباشر لصالح المنتفع أو المستفيد  ،  دون أن يمر بذمة أي من طرفي العقد .

      وبالتالي إذا اشترط المشترط الحق الناشئ عن العقد لنفسه فلا نكون بصدد اشتراط لمصلحة الغير ([3])  ، حتى ولو عادت على الغير فائدة من وراء هذا العقد ، مثال ذلك ، أن يبرم المرء عقد تأمين ضد مسئوليته عن الأضرار التي قد يحدثها بالغير فلا يمثل هذا العقد اشترطا لمصلحة الغير وإنما اشتراط لمصلحة النفس ، على الرغم من الفائدة التي تعود على المضرور (الغير) حيث يجد المؤمن له في مبلغ التأمين ما يعينه على دفع التعويض لهذا المضرور ([4]) .

      ولا نكون بصدد اشتراط لمصلحة الغير إذا أبرم المرء العقد باسمه ثم حول حقه فيه إلى آخر كمن يبيع سيارته لشخص ثم يحول حقه في ثمنها إلى شخص ثالث ، فحصول هذا الثالث على الثمن المحول إليه يكون على أساس حوالة الحق وليس على أساس اشتراط لمصلحة الغير ([5]) .

      ولا يلـزم لصحة عقد الاشتراط لمصلحة الغير أن يكون المستفيد أو المنتفع موجودا وقت العقد ، بل يجـوز أن يكـون شـخصاً مستقبلاً أو جهة مستقبلة ، كأن يبرم شخص عقد تأمين على حياته لصالح من يولد له من أولاد في المستقبل ، كما لا يلزم لصحة الاشتراط أن يكون المستفيد معينا وقت التعاقد ، مادام يمكن تعيينه في المستقبل كمن يؤمن ضد مسئوليته عن الحوادث التي يسببها للغير بخطئه ،  فالغير غير معين وقت العقد ولكنه قابل للتعيين في المستقبل عندما يصيب المشترط شخصا ما بخطئه فيما بعد (م156 مدني مصري).

      وتعنى فكرة الحق المباشر الذي ينشأ لصالح المنتفع أن هذا الحق ينشأ لصالح المنتفع مباشرة عن العقد دون أن يمر بذمة أي من طرفي عقد الاشتراط ، وأنه لا يلزم لنشأة هذا الحق بكل ما يرتبه من آثار لصالح المنتفع أن يقبل الاشتراط المبرم لصالحه ، لأن مصدر هذا الحق ليس هو عقدا جديدا بين المنتفع والمتعهد فيحتاج إلى قبول من جانب المنتفع ، وإنما مصدره هو عقد الاشتراط ذاته ([6]) .

3 – الشرط الثالث : أن تكون ثمة مصلحة شخصية للمشترط :

      ينبغي في الاشتراط لمصلحة الغير أن تكون للمشترط مصلحة شخصية Un intérêt personnel في هذا الاشتراط لمصلحة الغير ، سواء أكانت مصلحة مادية Un intérêt matériel  أم مصلحة معنوية Un intérêt moral  ، ومثال المصلحة المادية أن يؤمن الراهن على العين المرهونة لصالح الدائن المرتهن ، ومثال المصلحة الأدبية أن يؤمن المرء على حياته لصالح زوجته أو أولاده .

      ولعل هذا الشرط هو الذي يميز بين الفضولي والمشترط لمصلحة الغير ، فالفضولي يتعاقد باسم غيره ولحسابه دون أن تكون له مصلحة شخصية في ذلك ، بخلاف المشترط فهو وإن تعاقد باسمه الشخصي مستهدفاً من وراء تعاقده تحقيق مصلحة المنتفع ، إلا أن له مصلحة شخصية أدبية أو مادية ، هي التي حدت به إلى إبرام عقد الاشتراط لصالح المنتفع ([7]) .

      ومما تجدر ملاحظته أنه لا يلزم في عقد الاشتراط لمصلحة الغير أن يكون المشترط قد التزم في العقد بأداء معين في مواجهة المتعهد كمقابل لالتزامه بتنفيذ الحق المباشر الذي يتولد عن العقد لصالح المنتفع  ، وعندئذ يكون سبب التزام المتعهد في مواجهة المنتفع هو نية التبرع ، مثال ذلك أن تشترط الزوجة على زوجها أن يدفع إيرادا مرتبا لابنها من زوج آخر ، دون أن تلتزم الزوجة بأي التزام في مواجهة الزوج ([8]) .

ثالثاً : آثار الاشتراط لمصلحة الغير :

      إنه بالرغم من كون الاشتراط لمصلحة الغير عقدا ينشأ بين طرفين فقط هما المشترط والمتعهد ، وبالتالي فهو ثنائي النشأة ، إلا أنه يوصف بأنه ثلاثي الآثار ، حيث يرتب آثارا في مواجهة الغير وهو المنتفع فيثبت له حقا مباشرا في مواجهة المتعهد إلى جانب الآثار التي يرتبها في مواجهة طرفيه ، الأمر الذي يؤدي إلى نشوء علاقات مختلفة بين هؤلاء الأشخاص الثلاثة ، نعرض لها على التفصيل التالـي :

1- علاقة المشترط بالمتعهد :

      يعتبر المشترط والمتعهد هما طرفي عقد الاشتراط لمصلحة الغير ، وبالتالي فهو الذي ينظم العلاقة بينهما ويحدد الالتزامات الملقاة على عاتق كل منهما ، فمثلا إذا ورد الاشتراط في عقد تأمين أجراه المؤمن له لصالح أولاده ، التزم المؤمن له (أي المشترط) بدفع أقساط التأمين إلى شركة التأمين ، كما تلتزم شركة التأمين بتنفيذ الاشتراط لصالح أولاده عند تحقق الخطر المؤمن ضده .

      ويحق للمشترط لما له من مصلحة شخصية في الاشتراط لمصلحة الغير أن يراقب تنفيذ المتعهد للالتزام المشروط عليه لصالح المنتفع ، بل من المتصور أن تتجه إرادة المشترط إلى الاحتفاظ لنفسه فقط دون المنتفع بحق مطالبة المتعهد بتنفيذ الاشتراط لحساب المنتفع ،  كما لو اشترطت جهة الإدارة شروطاً في مواجهة ملتزم أحد المرافق العامة لمصلحة الجمهور ، واحتفظت لنفسها دون الجمهور بالحق في مطالبة هذا الملتزم بتنفيذ هذه الشروط في مواجهة الجمهور كمستفيد من الاشتراط ([9]) .

      وقد يحدث العكس فيظهر من خلال عقد الاشتراط أن المنتفع وحده هو الذي يملك مطالبة المتعهد بتنفيذ التزامه في مواجهته دون المشترط (م 154 مدني ([10])) مثال ذلك أن تتعاقد إحدى الشركات مع فندق ليقيم فيه من يشاء من عمالها ، فيكون العامل هو الوحيد الذي يطلب من الفندق تنفيذ الاشتراط متى أبدى رغبته للمتعهد (صاحب الفندق) في الإقامة بالفندق ([11]) .

      وللمشترط باعتباره طرفا في عقد الاشتراط أن يطلب فسخ العقد إذا تقاعس المتعهد في تنفيذ التزاماته في العقد ، كما أن له أن يدفع بعدم التنفيذ وفقا للقواعد العامة ، كما يجوز للمتعهد أن يتمسك في مواجهة المشترط بكل دفع يتعلق ببطلان عقد الاشتراط أو زواله لأي سبب ([12]) .

2- علاقة المشترط بالمنتفع :

      لا جرم أن طبيعة العلاقة القانونية التي تربط بين المشترط والمنتفع تتحدد على ضوء غرض المشترط من الاشتراط ، فإن كان قد قصد من وراء الاشتراط التبرع بما يتولد عنه من حق لصالح المنتفع ، سرت على علاقتهما أحكام عقد الهبة ، وإن قصد من ورائه أن يفي للمنتفع بما له عنده من دين سرت علــى علاقتهما أحكام الوفاء ، وإن قصد إقراض هذا الحق للمنتفع ، خضعت علاقتهما لأحكام عقد القرض ، وإن قصد من وراء الاشتراط إعطاء المنتفع شيئا على سبيل الوديعة أو الإجارة ،  سرت على علاقتهما أحكام الوديعة أو الإجارة ([13]) .

      ونظراً لأن حق المنتفع ينشأ في عقد الاشتراط بإرادة المشترط ، فإنه يظل خاضعا لتلك الإرادة إلى ما قبل إعلان المنتفع قبوله للاشتراط ، فيجوز للمشترط أن ينقض الاشتراط أو يعدل فيه أو يحرم المنتفع منه فيعين منتفعا آخر بدلا منه أو يجعل نفسه منتفعا بهذا الاشتراط ، ويعتبر نقض الاشتراط حقا شخصيا للمشترط ، فلا يثبت لأحد غيره كورثته (م 155 مدني مصري ([14])).

      وقد يحدث أن يتنازل المشترط عن حقه في نقض الاشتراط سواء في عقد الاشتراط نفسه أو بعد ذلك ، كما يجوز الاتفاق على تقييده بضرورة الحصول على موافقة المتعهد على النقض ، لاسيما إذا كانت للمتعهد مصلحة شخصية في تنفيذ الاشتراط حتى وإن كانت مجرد مصلحة أدبية ، مثال ذلك أن يهب الأب ابنه عقارا مشترطا عليه أن يدفع لحفيده من هذا الابن إيرادا مرتبا ، ثم يتفق الأب مع ابنه على عدم جواز نقض الأب الواهب للمشارطة إلا بعد الحصول على موافقة الابن الموهوب له ([15]) .

      ولا يلزم في نقض الاشتراط شكل معين ، فقد يعبر المشترط عن رغبته في إجرائه صراحة (بأن يعلن المتعهد صراحة بالنقض) أو ضمنا (كأن يطلب منه تنفيذ الاشتراط لنفسه) ، المهم أن النقض لا يعتد به إلا إذا تحقق علم المتعهد به ([16]) .

      وإذا ما تم نقض الاشتراط زال حق المنتفع بأثر رجعي وغدا وكأنه لم يكتسب هذا الحق في أي وقت ([17]) .

      ومما ينبغي التنويه إليه أنه وإن كان حق المشترط في نقض المشارطة حق ثابت له بمقتضى القانون ، فلا يحتاج لممارسته إلى وجود نص في العقد يسمح له بذلك ، إلا أنه قد يحدث ألا يثبت للمشترط مثل هذا الحق إذا كان ثبوته له مما يتنافى مع طبيعة عقد الاشتراط ، مثال ذلك أن يبيع البائع عقاره المرهون مشترطاً على المشترى أن يوفى بالثمن للدائن المرتهن لهذا العقار ، ففي هذه الحالة لا يجوز للبائع المشترط نقض الاشتراط لأن من مصلحة المتعهد أيضا وهو المشتـرى أن يوفى بدين البائع للدائن المرتهن حتى يخلص له العقار المبيع من الرهن الذي كان يثقله ([18]) .

      ويزول حق المشترط في نقض المشارطة إذا أعلن المنتفع عن إرادته في قبول الاشتراط صراحة أو ضمنا كما لو طلب من المتعهد تنفيذ الاشتراط ، وإذا حدث أن نقض المشترط الاشتراط في ذات الوقت الذي قبل فيه المنتفع هذا الاشتراط ، فتكون العبرة في هذه الحالة بالتعبير الذي يصل أولا إلى علم المتعهد ، بحيث إذا علم المتعهد برغبة المنتفع في قبول الاشتراط قبل علمه بنقضه من جانب المشترط استقر حق المنتفع وتأكد بصورة نهائية ، وسقط حق المشترط في نقض الاشتراط ، أما إذا علم المتعهد بنقض الاشتراط أولا زال حق المنتفع بأثر رجعي ([19]) .

      ويمكن للمنتفع إقرار المشارطة في أي وقت طالما صدر هذا الإقـرار واتصل بعلم المشترط أو المتعهد قبل نقض المشترط لها ، وعلى أيـة حـال فإن مصلحة المنتفع تملى عليه الإسراع إلى إعلان قبوله للمشارطة إلى المتعهد ليقطع على المشترط أية محاولة من جانبه لنقضها ([20]) .

      ولا يعتبر قبول المشارطة من جانب المنتفع حقا شخصيا ، على خلاف حق نقض المشارطة فهو حق شخصي للمشترط  ، وبالتالي يجـوز لدائني المنتفع استعمال هذا الحق فيقبلوا المشارطة نيابة عنه ، كما يجوز لورثته من بعده أن يقبلوا هذه المشارطة ، هذا ما لم يتضح من الاشتراط ذاته أن المشترط قد قصد قصر هذا الحق على المنتفع وحده دون غيره ([21]) .

      وقد يحدث أن يرفض المنتفع الاشتراط المقرر لمصلحته في عقد الاشتراط ، ويعتبر هذا الرفض سواء كان صريحا أو ضمنيا نزولا منه عن الحق موضوع الاشتراط ، ويكون من حق المشترط تعيين منتفع آخر أو أن يجعل المشارطة لنفسه ، أو يرجع هذا الحق إلى ورثة المشترط بأثر رجعي من وقت إبرام عقد الاشتراط وليس من وقت الرفض ، في حالة وفاة المشترط قبل حدوث الرفض من جانب المنتفع ([22]) .

3- علاقة المتعهد بالمنتفع :

      لا جدال في أن من أهم وأبرز ما ينفرد به عقد الاشتراط لمصلحة الغير عن غيره من العقود ، أنه يكسب من ليس طرفا في العقد ولا خلفا عاما أو خاصا لأحد طرفي العقد ، وهو المنتفع (والذي يعد أجنبيا عن هذا العقد) حقا مباشرا Un droit direct في مواجهة أحد طرفي عقد الاشتراط وهو المتعهد ، مما يمثل خروجا على مبدأ نسبية آثار العقد.

      ويثبت حق المنتفع في مواجهة المتعهد بموجب عقد الاشتراط فيصير دائنا مباشرا له بهذا الحق من وقت إبرام هذا العقد ([23]) ،  وليس من وقت قبوله للاشتراط وإعلان المتعهد به ، حيث تبدو قيمة قبول المنتفع للاشتراط في تأكيد حقه الناشئ أصلا من العقد والحيلولة دون زواله بقطع السبيل على المشترط في نقض المشارطة ، فيستقر هذا الحق بصورة نهائية غير مهدد بالزوال لسقوط حق المشترط في نقض المشارطة بهذا القبول .

      ولقد بُذلت محاولات فقهية لإيجاد تبرير لانتقال هذا الحق المباشر للمنتفع في مواجهة المتعهد من عقد الاشتراط ، فقيل أن المشترط فضولي يعمل لحساب المنتفع ، وهذا الرأي لا يمكن التسليم به لما بين الاشتراط لمصلحة الغير والفضالة من مظاهر عدة للتباين والاختلاف من أكثر من زاوية :

أ  – ففي الاشتراط لمصلحة الغير يتعاقد المشترط باسمه وليس باسم المنتفع بعكس الحال في الفضالة حيث يتعاقد الفضولي باسم رب العمل.

ب- أنه لا يجوز للفضولي إبرام تصرف لحساب رب العمل إلا إذا كان تصرفا عاجلا وضروريا لمصلحة رب العمل ، كأن يبيع محصولاته دون تفويض منه مخافة تلفها ، وهذا ما لا يشترط في عقد الاشتراط.

ج أنه يلزم في الفضالة ألا تكون للفضولي مصلحة شـخصية فـي العمل الذي يقوم به ، بعكس الحال في الاشتراط لمصلحة الغير ، حيث لا يصح الاشتراط إلا إذا كانت للمشترط فيه مصلحة شخصية سواء كانت مادية أو أدبية.

      وقـد قيل أيضا أن الاشتراط هو بمثابة إيجاب معروض على المنتفع ، فإذا قبله أصبح به طرفا في العقد وكان حقه المباشر ناشئا عن هذا العقد ، وهذا الرأي محل نظر ، لأن حق المنتفع  يكتسبه من عقد الاشتراط وليس من عقد جديد ، كما أنه يثبت له من تاريخ عقد الاشتراط وليس من تاريخ قبوله للاشتراط ، وقد قيل أن المشترط يكتسب الحق لنفسه ثم ينقله من بعد للمنتفع ، وهذا القول يتعارض مع أهم ما ينفرد به عقد الاشتراط وهو كونه يكسب المنتفع حقا مباشرا قبل المتعهد دون أن يمر هذا الحق بذمة المشترط ، وقد قيل بأن هذا الحق يثبت للمنتفع بناء على الإرادة المنفردة للمتعهد ، ولكن هذا الرأي محل نظر لأنه لو كان صحيحا لكان للمتعهد وحده دون المشترط حق نقض المشارطة، والمعروف أن نقض المشارطة لا يثبت إلا للمشترط، ومن ناحية أخرى لو كان ذلك صحيحا لما كان للمتعهد حق في مواجهة المشترط ([24]) .

      والصحيح أن يؤسس الحق المباشر للمنتفع على أساس قاعدة الاشتراط لمصلحة الغير ذاتها، باعتبارها قاعدة مستقلة من قواعد القانون، وإذا كانت هذه القاعدة يؤدي إعمالها إلى إكساب الغير حقا مباشرا عن عقد ليس طرفا فيه، مما يمثل خروجا على قاعدة أخرى هي نسبية أثر العقد، فليس في ذلك خروج على المنطق القانوني La logique juridique ، حيث لا مانع منطقا من أن يُكْسِبَ العقدُ حقا لشخص لم يكن طرفا فيه، لا سيما إذا كان ذلك استجابة وتلبية للحاجات العملية في إطار العلاقات بين الأفراد ([25]) .

      ويترتب على كون حق المنتفع حقا مباشرا يكتسبه من عقد الاشتراط في مواجهة المتعهد، جملة من الآثار التالية:-

أ  ثبوت حق المنتفع من تاريخ إبرام عقد الاشتراط و ليس من تاريخ إعلانه قبول الاشتراط للمتعهد.

ب- إن للمنتفع الحق في مطالبة المتعهد مباشرة بتنفيذ الاشتراط، هذا ما لم يتفق في الاشتراط على قصر طلب التنفيذ على المشترط وحده.

ج – يصير المنتفع دائنا مباشرا للمتعهد بموجب عقد الاشتراط، ويكون من حقه مع سائر دائني المتعهد الحق في التنفيذ على أمواله لاستيفاء حقوقهم، وتقسم بينهم قسمة غرماء أي بحسب قيمة دين كل واحد منهم.

د – إذا مات المشترط دون أن ينقض المشارطة، خلص الحق موضوع الاشتراط للمنتفع و لو لم يقبله، ولم يجز للورثة المطالبة بضمه إلى تركة المشترط، كما لا يجوز لدائني المشترط الحجز عليه، لأن هذا الحق يثبت للمنتفع مباشرة من عقد الاشتراط دون أن يمر بذمة المشترط ، و بالتالي فهو لم يتلق هذا الحق من المشترط.

هـ-إن المنتفع باعتباره غيرا عن عقد الاشتراط، فله إثبات حقه الناشئ عن هذا العقد بكافة طرق الإثبات أيا كانت قيمة هذا الحق ([26]) .

و – يثبت للمتعهد الحق في التمسك في مواجهة المنتفع بكافة الدفوع التي تنشأ عن عقد الاشتراط (م 154 مدني مصري ([27]))، كأن يطعن على العقد بالبطلان أو أن يتمسك بفسخه لعدم تنفيذ المشترط لالتزاماته، كأن تطلب شركة التأمين فسخ عقد التأمين الذي أبرمه المؤمن له لصالح أولاده لعدم سداده أقساط التأمين.


([1]) انظر في هذا المعنى أ.د/ سمير تناغو”مصادر الالتزام” طبعة 1999-2000م. بند 110 ، ص127 ، 128 .

([2]) تنص المادة 154 /1 من التقنين المدني المصري على أنه:-

“1- يجوز للشخص أن يتعاقد باسمه على التزامات يشترطها لمصلحة الغير، إذا كان له في تنفيذ هذه الالتزامات مصلحة شخصية مادية كانت أو أدبية. “.

([3]) وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأنه :

” وإذ كان المشرع – فيما عدا ما ورد به أحكام خاصة – لم يقرر للمضرور حقاً مباشرا في مطالبة المؤمن بالتعويض عن الضرر الذى أصابه والذى يسأل عنه قبل المؤمن له فوجب الرجوع إلى القواعد العامة لتعرف ما إذا كانت وثيقة التأمين على مسئولية المؤمن له قصد بها اشتراط لمصلحة الغير أم قصد بها اتفاق خاص بين الطرفين المتعاقدين ، فإذا كان الحق الذى اشترطه المؤمن له إنما اشترطه لنفسه فلا يكون هناك اشتراط لمصلحة الغير حتى لو كانت تعود منه منفعة على الغير ، أما إذا تبين من مشارطة التأمين أن العاقدين قصداً تخويل المضرور الحق المباشر في منافع العقد فإن القواعد الخاصة بالاشتراط لمصلحة الغير هى التى تطبق . لما كان ذلك ، وكان الثابت من مطالعة وثيقة التأمين المبرمة بين الطاعنة والمطعون ضدها الرابعة أن الأخيرة لدى تعاقدها اشترطت لمصلحة العاملين لديها ومنهم ” المطعون ضدهم الثلاثة الأول ” بما يمنحهم حقا مباشراً قبل الشركة الطاعنة ، وتكون دعواهم الماثلة مرفوعة من ذى صفة وعلى ذى صفة “

( نقض مدني ، الطعن رقم ٦٨٢ لسنة ٧٤ قضائية ، جلسة 18-5-2014)

([4]) انظر في نفس المعنى : أ.د/ سمير تناغو- المرجع السابق- بند 112 ، ص131

([5]) انظر في نفس المعنى : أ.د/ علي نجيدة ص272.

([6]) أ.د/ سمير تناغو – مرجع سابق – بند 112 ، ص132.

([7]) أ.د/ علي نجيدة ص273.

([8]) أ.د/ محمد إبراهيم دسوقي،” القانون المدني ، الالتزامات” بند 166 ، ص211.

([9]) أ.د/ سمير تناغو- مرجع سابق- بند 114 ، ص134.

([10]) تنص المادة 154 /3 من التقنين المدني المصري على أنه : ” 3- ويجوز كذلك للمشترط أن يطالب بتنفيذ ما اشترط لمصلحة المنتفع، إلا إذا تبيّن من العقد أن المنتفع وحده هو الذي يجوز له ذلك.”

([11]) أ.د/ محمد إبراهيم دسوقي ، المرجع السابق بند 168 ، ص212.

([12]) أ.د/ سمير تناغو – مرجع سابق- 114 ، ص135.

([13]) انظر في هذا المعنى”: أ.د/ سمير تناغو- مرجع سابق- بند 115 ، ص 135

([14]) فقد نظمت المادة 155 من التقنين المدني المصري نقض الاشتراط وما يترتب عليه من آثار قائلة :

“1- يجوز للمشترط دون دائنيه أو ورثته أن ينقض المشارطة قبل أن يعلن المنتفع إلى المتعهد أو إلى المشترط رغبته في الاستفادة منها، ما لم يكن ذلك مخالفاً لما يقتضيه العقد.
2- ولا يترتب على نقض المشارطة أن تبرأ ذمة المتعهد قبل المشترط، إلا إذا اتفق صراحةً أو ضمناً على خلاف ذلك. وللمشترط إحلال منتفع آخر محل المنتفع الأول، كما له أن يستأثر لنفسه بالانتفاع من المشارطة.”

([15]) أ.د/ محمد إبراهيم دسوقي – مرجع سابق- بند 169 ، ص213.

([16]) أ.د/ عبد الرزاق السنهوري بند 382 ، ص586 ، أ.د/ علي نجيدة ص278.

([17]) أ.د/ عبد الحي حجازي بند 749 ، ص982 ، أ.د/ عبد المنعم البدراوي بند 372 ، ص473 ، أ.د/ علي نجيدة ص278.

([18]) أ.د/ سمير تناغو – مرجع سابق- بند 107 ، ص138 ، 139.

([19]) أ.د/ عبد الحي حجازي بند 742 ، ص988.

([20]) أ.د/ علي نجيدة ص279.

([21]) أ.د/ سليمان مرقس فقرة 328 ، ص627.

([22]) مجموعة الأعمال التحضيرية ، جـ2 ، ص317.

([23]) تنص المادة 154 /2 من التقنين المدني المصري على أنه :

” 2- ويترتب على هذا الاشتراط أن يكسب الغير حقاً مباشراً قبل المتعهد بتنفيذ الاشتراط يستطيع أن يطالبه بوفائه، ما لم يتفق على خلاف ذلك. ويكون لهذا المتعهد أن يتمسك قبل المنتفع بالدفوع التي تنشأ عن العقد.”

([24]) أ.د/ سمير تناغو – مرجع سابق- بند 116 ، ص136 ،137.

([25]) أ.د/ سمير تناغو – مرجع سابق- بند 116 ، ص136 ،137.

([26]) أ.د/ حمدي عبد الرحمن ،”الوسيط في النظرية العامة للالتزامات” الكتاب الأول ، المصادر الإرادية للالتزام (العقد والإرادة المنفردة) ، ص463 ، الطبعة الأولى لعام 1999م ، دار النهضة العربية.

([27]) راجع نص المادة 154 /2 من التقنين المدني المصري.

تعليقات فيس بوك
Sending
User Review
5 (1 vote)

عن الكاتب

محمد خالد شرف المحامي بالنقض

محامي حر ومستشار قانوني لأكثر من تسعة عشر عاما ،أنشأت هذه المدونة إثراء للمحتوى والفكر القانوني المصري والعربي على شبكة الأنترنت ،ولمساعدة زملائي المحامين وخاصة المبتدأين منهم في الوصول إلى المعلومة القانونية الصحيحة في بداية مسيرتهم المهنية.

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.